في خطوة تروم ترسيخ القيم النبوية وتنزيلها على واقعنا المعاصر، عممت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية نص خطبة الجمعة لهذا اليوم على كافة مساجد المملكة. وقد حملت الخطبة في طياتها استحضاراً عميقاً لحدث تاريخي مفصلي، وهو وضع النبي محمد ﷺ لـ ‘وثيقة المدينة’، التي تُعد في جوهرها أول دستور مدني عرفته البشرية.
تستهل الخطبة بالتذكير بأن الدين ليس مجرد طقوس، بل هو منهاج حياة؛ فحياة الناس لا تستقيم بدون نظام، والنظام لا يكتمل إلا بقوانين ضابطة تحفظ الحقوق والواجبات. ومن هنا، يبرز ‘دستور المدينة’ كنموذج إلهامي في الشمولية، حيث ساوى بين الجميع دون تمييز على أساس العرق أو الدين، وهو ما يجسد أسمى صور العدالة والمواطنة الحقة.
وتستعرض الخطبة خمس ركائز أساسية لهذه الوثيقة؛ أولها ‘تحقيق الأمن’، الذي اعتبرته الخطبة أساس البنيان ومفتاح الطمأنينة، مقتبسة من دعاء النبي إبراهيم عليه السلام. أما الركيزة الثانية فتتمثل في ‘وحدة النظام’، حيث جُعلت المرجعية العليا للنبي ﷺ، لترسيخ مبدأ طاعة ولي الأمر وتدبير الشأن العام. كما شددت الوثيقة على ‘الحقوق والمساواة’ و’التكافل الاجتماعي’، وصولاً إلى ‘حماية الوطن’ باعتباره سفينة واحدة يركبها الجميع، ويتعين على كل فرد المساهمة في إيصالها إلى بر الأمان.
وفي الجانب الثاني من الخطبة، يبرز الخطاب الدعوة إلى استلهام هذه القيم في إدارة شؤون الدولة الحديثة. فالمسلمون اليوم، وأمام زحام التنظيمات والنظريات المعاصرة، مدعوون للعودة إلى تراثهم الحضاري الذي أسس لقواعد المواطنة وحفظ الحقوق قبل قرون طويلة. إن فهم هذه الوثيقة يقي المسلم من الوقوع في حيرة بين التقليد الأعمى للمنظمات الخارجية أو الانعزال التام، فهو يمنحه ثقة في ثوابته وهويته.
تختتم الخطبة بالدعاء الصالح لأمير المؤمنين، الملك محمد السادس، مؤكدة على دور المؤسسة الملكية في الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها، وصون الثوابت الدينية والوطنية التي ضحى من أجلها الأجداد، لتظل المملكة واحة أمن واستقرار، تجسد روح الوثيقة النبوية في تعايشها وتلاحمها.