لا صوت يعلو في أوساط فلاحي جهة سوس-ماسة فوق صوت الأزمة التي باتت تضرب في العمق أركان الاقتصاد الزراعي، وتحديداً في منطقة هوارة التي كانت إلى وقت قريب توصف بـ ‘قلعة الحمضيات’. اليوم، لم يعد المشهد يتعلق فقط بتحديات المناخ، بل امتد ليشمل أزمة ثقة حادة تجاه المؤسسات التمثيلية، وعلى رأسها الغرفة الجهوية للفلاحة التي يراها الكثيرون مجرد صدى لمشاكلهم دون قدرة حقيقية على صياغة الحلول.
اللقاء التواصلي الذي عقده يوسف جبه، رئيس الغرفة الجهوية، في أولاد تايمة، جاء في توقيت ملتبس؛ فبينما كان التقرير الوزاري المرفوع إلى الملك يبعث ببعض الطمأنينة حول الموسم الفلاحي، جاءت مخرجات لقاء الغرفة لتغرد خارج السرب، مجددةً سرد قائمة الأوجاع المعتادة: غلاء تكاليف الإنتاج، ندرة اليد العاملة، تعثر التعويضات عن التقلبات المناخية، وشح المياه الذي ينهش ما تبقى من أراضي المنطقة. لكن، وبدل أن يخرج الفلاحون بخارطة طريق، اصطدموا بتكرار للتشخيص الذي حفظوه عن ظهر قلب، مما حول اللقاء إلى منصة لتفريغ الغضب دون طائل.
الأخطر من ذلك هو التحول الجذري في النمط الزراعي لهوارة. فقد بدأنا نرى اقتلاعاً جماعياً لأشجار الليمون (الحوامض) لاستبدالها بزراعات تصديرية داخل البيوت المغطاة، مثل التوت والصبير. هذا التحول، وإن رآه البعض ضرورة اقتصادية أمام شح المياه، يراه آخرون تخلياً عن الهوية الزراعية للمنطقة. وما يثير الجدل أكثر هو أن رئيس الغرفة الفلاحية نفسه يعد طرفاً في هذه التحولات الاستثمارية، مما يطرح تساؤلاً مشروعاً: كيف لمن يفترض به الدفاع عن مصالح عموم الفلاحين أن يكون شريكاً في توجيه خيارات استراتيجية مثيرة للجدل دون نقاش عمومي شفاف؟
إن فلاح سوس اليوم لم يعد بحاجة لمن يشاطره هموم التشخيص، بل لمن يقود قاطرة الخروج من النفق. لقد أصبحت الغرفة الجهوية للفلاحة مطالبة بوقفة نقدية مع الذات، والانتقال من منطق الاجتماعات البروتوكولية إلى بلورة سياسات جهوية جريئة، قادرة على الترافع الحقيقي لدى السلطات المركزية وحماية صغار الفلاحين من التيه بين تقلبات السوق وندرة الموارد. فهل ستستعيد المؤسسة ثقة ‘أبناء الأرض’، أم ستظل مكتفية بدور المتفرج على تآكل ‘البريق الزراعي’ لمنطقة كانت يوماً مفخرة الإنتاج الوطني؟