عادت قضية الهجرة غير النظامية لتتصدر المشهد السياسي في إسبانيا، بعد أن دق تقرير حديث لوزارة الداخلية الإسبانية ناقوس الخطر بشأن الارتفاع الكبير في أعداد الواصلين إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026.
الأرقام التي كشفت عنها السلطات الإسبانية صادمة بكل المقاييس، حيث سجلت قفزة بلغت 392 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. هذه القفزة ليست مجرد رقم عابر، بل هي مؤشر قوي على أن الضغط عاد وبقوة على الحدود الشمالية للمغرب مع الجانب الإسباني، بعد فترة بدا فيها أن الأوضاع قد مالت إلى شيء من الاستقرار والهدوء.
ويبدو أن هذا الهدوء لم يكن سوى ‘استراحة محارب’، إذ سرعان ما وجدت سبتة ومليلية نفسيهما مجدداً في قلب العاصفة، لتصبحا من أكثر النقاط سخونة وحساسية في ملف الهجرة نحو القارة العجوز. واللافت في هذا التطور هو التحول السريع في خرائط عبور المهاجرين، التي لم تعد ثابتة كما كانت في السابق، بل أصبحت خاضعة بشكل مباشر للمتغيرات الأمنية والقرارات السياسية التي تتخذها الدول الأوروبية.
ويجمع المحللون على أن تشديد الرقابة على المسارات التقليدية الأخرى، إلى جانب السياسات الأوروبية الجديدة في تدبير الحدود، قد دفع بتدفقات المهاجرين نحو مسارات بديلة، كان لسبتة ومليلية نصيب الأسد منها في مطلع هذا العام. هذا الوضع يضع السلطات الإسبانية أمام تحديات مركبة؛ فمن جهة، هناك عبء تأمين الحدود الذي يزداد صعوبة، ومن جهة أخرى، الضغط الكبير على مراكز الاستقبال التي باتت تعاني لاستيعاب هذه الأعداد المتزايدة.
إن هذه التطورات الميدانية تعيد التأكيد على حقيقة ثابتة: ملف الهجرة غير النظامية يظل مفتوحاً على كل الاحتمالات، وأي حديث عن ‘استقرار نهائي’ لهذا الملف ليس سوى وهم سرعان ما تتبدده التحولات الميدانية المتسارعة. واليوم، تجد إسبانيا نفسها مطالبة بإعادة قراءة استراتيجياتها في التعامل مع واقع حدودي لا يرحم، ولا يعترف بالحلول المؤقتة.