لم يكن خروج دييغو سيميوني، مدرب أتلتيكو مدريد، للحديث عن الهتافات العنصرية التي استهدفت المسلمين خلال مباراة إسبانيا ومصر مجرد تعليق عابر في مؤتمر صحفي روتيني. فالمدرب الأرجنتيني، الذي يعرف خبايا الدوري الإسباني منذ نحو 15 عاماً، اختار أن يغوص في العمق، واصفاً ما يحدث بأنه ‘صرخة أخلاقية’ تكشف عن تصدع حقيقي في بنية المجتمع الإسباني بأسره.
بالنسبة لـ ‘سيميوني’، لم تعد هذه الهتافات مجرد تصرفات صبيانية من قلة من المشجعين في المدرجات، بل هي انعكاس مباشر لانهيار منظومة الاحترام التي كانت تحكم العلاقات داخل الفضاء العام. وفي قراءة تحليلية لافتة، أشار الأرجنتيني إلى أن فقدان الهيبة التي كانت تتمتع بها رموز اجتماعية وتربوية؛ كالأهل والمعلمين ورجال السلطة، أدى إلى نوع من الفوضى السلوكية التي سمحت للعنصرية بأن تطل برأسها مجدداً في ملاعب كرة القدم.
هذه التصريحات تضع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في زاوية حرجة؛ إذ يثير سيميوني تساؤلات مشروعة حول المعايير التي تلتزم بها الفيفا عند اختيار الدول المستضيفة للأحداث الكبرى، وعلى رأسها مونديال 2030. فهل يمكن لإسبانيا، في ظل عجز سلطاتها عن كبح جماح الظواهر العنصرية، أن تضمن بيئة تحترم التنوع الثقافي والديني والعرقي كما تنص مواثيق الفيفا؟
العنصرية هنا ليست مجرد لون أو دين أو عرق، بل هي عقلية إقصائية تتغذى على الجهل والخوف من الآخر، وتدعمها خطابات شعبوية تقتات على الهويات الضيقة. ورغم دعوة سيميوني إلى ‘العمل بإيمان’ لاستعادة القيم المفقودة، يبدو الواقع الإسباني أكثر تعقيداً. فالمعركة ضد العنصرية تتطلب أكثر من مجرد خطابات أخلاقية؛ إنها تحتاج إلى سياسات صارمة، وتربية على التعددية، ومحاسبة حقيقية، وهي أمور لا تزال غائبة في إسبانيا التي لطالما تغاضت عن ممارسات العنصريين داخل الملاعب لسنوات طويلة.
إن صرخة سيميوني هي تحذير استباقي: ما لم تتحرك المؤسسات لإعادة الاعتبار لقيم الاحترام، فإن الملاعب ستظل مرآة لمرض مجتمعي أعمق، وقد تجد كرة القدم نفسها في مواجهة مع قيمها الخاصة أمام العالم أجمع.