بات مشروع سد ‘تافرة’ حديث الساعة في أقاليم الشمال، وتحديداً بين سكان وزان والعرائش، لكن ليس بسبب أهميته التنموية فحسب، بل نتيجة حالة من ‘الارتباك الرقمي’ في تصريحات وزير التجهيز والماء، نزار بركة، التي جعلت المواطنين يعيشون على أعصابهم.
القصة بدأت حين تنفس سكان جماعات بريكشة وعين بيضاء الصعداء خلال اجتماع لوكالة الحوض المائي للوكوس في شفشاون، حيث أشار الوزير إلى أن سعة السد لن تتجاوز 400 مليون متر مكعب. هذا الرقم بدا للكثيرين ضمانة لحماية أراضيهم، ومرافقهم التاريخية، وبيئتهم المحلية، وحتى استقرارهم الاجتماعي. لكن، سرعان ما تبخرت هذه الطمأنينة بعد تصريحات مغايرة للوزير نفسه في لقاء بمدينة العرائش، حيث رفع سقف التوقعات إلى 900 مليون متر مكعب، واصفاً المشروع بأنه الحل الهيكلي لمواجهة الفيضانات وتعزيز الأمن المائي.
هذا التضارب المفاجئ خلف موجة من الهلع في صفوف الأهالي، الذين باتوا يتساءلون: هل نصدق نسخة الـ 400 أم نسخة الـ 900؟ الخوف هنا ليس مجرد ترف، بل هو خشية حقيقية من ‘التهجير القسري’ وفقدان أراضٍ ومواقع ذات رمزية دينية وتاريخية واقتصادية لا تقدر بثمن. وتزيد حدة التوجس مع رواج حديث في الكواليس عن ضغوط يمارسها ‘لوبي’ محلي، يضم برلمانيين يسعون لخدمة مصالح اقتصادية خاصة، أو التغطية على فشل تدبير فيضانات القصر الكبير السابقة، مما يضع نزاهة الدراسات التقنية للمشروع تحت مجهر الشك.
وبينما يرى بعض المراقبين أن الاختلاف قد يكون نتيجة لتعدد السيناريوهات التقنية، يظل غياب توضيح رسمي ومباشر يقطع الشك باليقين سبباً رئيساً في تأجيج الاحتقان. إن السكان ومعهم الفاعلون المحليون، لا يرفضون التنمية، بل يطالبون بحقهم المشروع في المعلومة الدقيقة. هم يطمحون إلى معادلة صعبة لكنها عادلة: بناء السد كحاجة ملحة لمواجهة التغيرات المناخية، مع الحفاظ على استقرارهم وجذورهم، وهو ما يجدونه ممكناً إذا ما تم الاستقرار على سعة معقولة لا تلتهم ما تبقى من أرزاقهم ومقدساتهم المكانية.
اليوم، الكرة في ملعب وزارة التجهيز ووكالة الحوض المائي؛ فالمواطن في الشمال يحتاج إلى خطاب موحد ومسؤول ينهي هذا ‘الكابوس’ ويضع حداً للتأويلات التي لا تزيد المنطقة إلا توتراً.