في خطوة قضائية لافتة تعكس صرامة الدولة في حماية المال العام، قررت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بفاس إحالة المدير العام السابق لشركة ‘العمران الشرق’، إلى جانب مجموعة من الأطر والمهندسين والمقاولين، على غرفة جرائم غسل الأموال. هذا القرار ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو منعطف جديد في قضية هزت أركان الشركة وأثارت الكثير من الجدل.
تأتي هذه التحركات القضائية بعد أن كشفت عمليات تدقيق داخلي عن ثقوب مالية مهولة، ناهزت 61 مليار سنتيم (610 مليون درهم)، ترتبط بمشاريع عقارية وتنموية أشرفت عليها الشركة منذ سنة 2015. هذه الأرقام الصادمة لم تمر مرور الكرام، بل عجلت بفتح تحقيقات معمقة انتهت بملاحقة المتورطين بتهم ثقيلة، تتراوح بين اختلاس وتبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ.
ولم يكن هذا الملف وليد اللحظة؛ فسبق للغرفة الجنائية لدى محكمة الاستئناف أن أصدرت أحكاماً في حق المتهمين، حيث نال المدير العام السابق عقوبة الحبس النافذ لمدة ثماني سنوات، مع غرامات مالية ثقيلة. كما طالت الأحكام أطراً تقنية ومقاولين بأحكام حبسية تراوحت ما بين سنة وخمس سنوات، مع إلزامهم برد مبالغ مالية كبيرة لخزينة الشركة، في حين شهدت المحاكمة براءة بعض المتابعين لغياب أدلة كافية.
أما إحالة الملف الآن إلى غرفة غسل الأموال، فيشير بوضوح إلى تعقيد القضية وتشعباتها، حيث يسعى المحققون لتتبع مسارات الأموال المشبوهة والتأكد من محاولات إخفاء مصادرها غير المشروعة عبر قنوات مالية متعددة. إن هذا التطور يرسل إشارة قوية بأن ملفات الفساد في تدبير المشاريع الكبرى لم تعد تمر دون مساءلة حقيقية، وأن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أصبح واقعاً ملموساً يهدف إلى تكريس الشفافية وحماية مقدرات البلاد من العبث.