لا يمكن الحديث عن أجواء عيد الأضحى في المغرب دون أن تزكم أنوفنا رائحة ‘بولفاف’ الشهيرة، التي تنبعث من كل زقاق وبيت. هذه الوجبة ليست مجرد طبق سريع يُحضّر بعد عملية الذبح، بل هي طقس اجتماعي راسخ يفتتح به المغاربة يومهم الكبير، لدرجة أنها أصبحت بالنسبة للكثيرين جزءاً لا يتجزأ من هوية المناسبة نفسها.
فبمجرد الانتهاء من شعيرة النحر، وقبل أن تبدأ عمليات تقطيع اللحوم أو تخزينها، تتجه الأنظار مباشرة نحو ‘الكبد’ و’الشحم’ الرقيق الذي يغلف المعدة. وهما المكونان الأساسيان لأول طبق يوضع على المائدة في عجالة، لكنه يحمل دلالات رمزية عميقة تتجاوز قيمته الغذائية البسيطة. في كل بيت مغربي، تنطلق التحضيرات وسط أجواء من الفرح؛ حيث يُقطع الكبد إلى مكعبات صغيرة تُشوى نصف شوية، ثم تُلف بعناية في شرائح الشحم الرقيقة قبل أن تُرص في ‘القطبان’ وتعود مجدداً فوق الجمر المتوهج.
وفي هذه اللحظات، تنبعث أدخنة محملة بعبق خاص يمتزج بأصوات التكبير وتهاني العيد، حيث تجتمع العائلة حول ‘المجمر’ في مشهد يتكرر منذ عقود، يتقاسم فيه الصغار والكبار المهام والذكريات. ورغم بساطة مكونات ‘بولفاف’، إلا أنه يختزن تنوعاً لافتاً في طرق التحضير بين مناطق المملكة؛ فبينما يكتفي البعض بالملح والكمون، تذهب مناطق أخرى نحو إضافة مزيج من التوابل المحلية التي تمنح الطبق نكهة متفردة.
ويرى المهتمون بالتراث الغذائي أن استمرارية هذه الوجبة تعكس قدرة المطبخ المغربي على صون طقوسه الأصيلة رغم التحولات الاجتماعية المتسارعة. فبينما اندثرت بعض العادات، ظل ‘بولفاف’ يقاوم النسيان، بل وازدادت مكانته كرمز للمة العائلية. السر هنا لا يكمن فقط في المذاق، بل في تلك اللحظة الجماعية التي يخلقها؛ حيث تلتف الأسر التي قد لا تجتمع طوال العام حول مائدة واحدة، لتتبادل أطراف الحديث بانتظار نضوج أولى ‘القطبان’. وهكذا، يبقى ‘بولفاف’ أكثر من مجرد أكلة، إنه حلقة وصل متينة تربط الحاضر بالماضي، وتؤثث الذاكرة الجماعية للمغاربة بكل ما هو جميل وأصيل.