كشف التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2025 عن تحسن طفيف في وضعية المغرب ضمن مؤشر إدراك الفساد، حيث قفزت المملكة ثماني درجات دفعة واحدة لتستقر في المرتبة 91 عالمياً من أصل 182 دولة. ورغم أن هذا الصعود قد يبدو للوهلة الأولى خطوة إيجابية ومبشرة، إلا أن القراءة المتأنية للأرقام تكشف عن واقع أكثر تعقيداً، حيث لا تزال الحصيلة الإجمالية دون سقف التوقعات.
بالأرقام، حصل المغرب على 39 نقطة من أصل 100، بزيادة نقطتين فقط عن العام الماضي الذي سجل فيه 37 نقطة (المرتبة 99). هذا التحسن، وإن كان يكسر حدة التراجع التي شهدتها السنوات الأخيرة، إلا أنه يضع المغرب بعيداً عن عتبة 50 نقطة، وهي الدرجة التي تعتبرها منظمة الشفافية الحد الأدنى المقبول لمواجهة الفساد بشكل فعال.
وعلى مدار العقد الماضي، ظل المغرب حبيس “منطقة المراوحة”، حيث تتأرجح نقاطه بين 37 و43 نقطة دون تحقيق اختراق حقيقي. ويرى مراقبون أن هذا التذبذب يعكس غياب إصلاحات هيكلية عميقة ومستدامة، فالمكتسبات الحالية تبدو أقرب إلى “تعافٍ مؤقت” منها إلى نهضة حقيقية في مجال النزاهة، خاصة إذا ما قارنا الوضع بسنة 2018 التي كانت الأفضل للمغرب بحصوله على 43 نقطة.
من جهتها، تفاعلت منظمة “ترانسبرانسي المغرب” مع هذه النتائج بنوع من الحذر؛ فبينما رحبت بالتقدم في الترتيب، نبهت إلى أن المشاكل المتجذرة لا تزال تلقي بظلالها على المشهد. وتتمثل هذه التحديات أساساً في ضعف آليات الرقابة، والحاجة الملحة لتعزيز استقلالية القضاء، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل أكثر صرامة.
إقليمياً، يسير المغرب في سياق يتسم بجمود عام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تواجه جهود مكافحة الفساد عقبات مرتبطة بالشفافية وضيق هوامش التحرك للمجتمع المدني. عالمياً، لا يبدو الوضع أفضل حالاً، إذ يبلغ المتوسط العالمي 42 نقطة فقط، مع استمرار معاناة ثلثي دول العالم من تفشي الفساد.
وفي الختام، يظل السؤال المطروح: هل تكفي المؤسسات الدستورية والهيئات الرقابية وحدها؟ التقرير يشير بوضوح إلى أن الانتقال من “التحسن الرمزي” إلى “التغيير الفعلي” يتطلب إرادة سياسية قوية، وحماية حقيقية للمبلغين عن الفساد، وضمان حرية الصحافة، وتسهيل الوصول إلى المعلومة. فبدون هذه الركائز، سيبقى الصعود في الترتيب مجرد أرقام على ورق لا تلامس جوهر التغيير الذي ينشده المجتمع.