لم تمر الزيارة الأخيرة التي قامت بها الوزيرة المنتدبة المكلفة بقدماء المحاربين لدى وزارة الجيوش الفرنسية، أليس روفيو، إلى قصر المرادية مرور الكرام، بل فجرت موجة من التساؤلات والجدل في الأوساط الجزائرية. الاستقبال الذي خصه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للمسؤولة الفرنسية يوم السبت الماضي، لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل حمل في طياته حساسية تاريخية مفرطة، بالنظر إلى السجل السياسي للوزيرة روفيو.
روفيو، التي نقلت رسالة خطية من الرئيس إيمانويل ماكرون إلى نظيره الجزائري، تُعرف في الدوائر السياسية الفرنسية والجزائرية بأنها واحدة من أشرس المدافعين عن حقوق ما يعرف بـ ‘الحركى’، وهم الجنود الجزائريون الذين اختاروا القتال في صفوف الجيش الاستعماري الفرنسي ضد ثورة التحرير الوطنية. هذا الملف، الذي يعتبر جرحاً غائراً في ذاكرة الجزائريين، جعل من وجود روفيو في العاصمة الجزائرية مادة دسمة للنقاش والانتقاد.
اللقاء حضره كبار مسؤولي الدولة الجزائرية، من بينهم وزير الخارجية أحمد عطاف، وإبراهيم مراد وزير الدولة المكلف بوزارة الداخلية، مما يعكس الأهمية الرسمية التي أعطيت للزيارة. ومع ذلك، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بتعليقات غاضبة ومستنكرة، حيث اعتبر الكثيرون أن استقبال شخصية تتبنى أطروحات تمجد ‘الحركى’ وتطالب بحقوقهم، يمثل تناقضاً مع الخطاب الرسمي الجزائري الذي يشدد دائماً على قدسية ملف الذاكرة ورفض أي اعتراف بالخونة.
في هذا السياق، لم يتردد الصحفي والناشط وليد كبير في توجيه انتقادات لاذعة بأسلوب ساخر، حيث وصف الخطوة بأنها ‘مناورة’ من ماكرون، مشيراً إلى أن إرسال وزيرة تهتم بمصالح الحركى إلى قلب الجزائر واستقبالها بحفاوة من قبل تبون، يضع المدافعين المتحمسين عن النظام في موقف محرج. وقال في تدوينة له: ‘من اليوم، لا تتحدثوا عن الحركى مجدداً.. تبون قد يغضب منكم’.
تأتي هذه الواقعة لتزيد من تعقيد المشهد في العلاقات الجزائرية الفرنسية، التي تتأرجح دائماً بين التقارب الدبلوماسي وصراعات الذاكرة المريرة. فبينما تحاول باريس إرضاء لوبيات ‘الحركى’ و’الأقدام السوداء’ داخل مجتمعها، تجد السلطة في الجزائر نفسها تحت مجهر الرأي العام الذي لا يتسامح مع أي خطوة قد تُفهم على أنها تراجع عن الثوابت الوطنية المتعلقة بالحقبة الاستعمارية.