24 ساعة

إسبانيا تنتصر للإدماج.. سانشيز: تسوية وضعية المهاجرين ‘اعتراف بواقع’ وليست مجرد إجراء إداري

في خطوة تحمل أبعاداً إنسانية وسياسية عميقة، أكد رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، أن قرار تسوية وضعية المهاجرين غير النظاميين في البلاد يتجاوز كونه مجرد مسطرة إدارية أو قراراً سياسياً فرضته الظروف. واعتبر سانشيز، في كلمة ألقاها بمناسبة مصادقة مجلس الوزراء على هذا الإجراء، أننا أمام ‘اعتراف صريح بواقع اجتماعي قائم’، حيث يمثل هؤلاء المهاجرون جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للإسبان.

وبلغة غلب عليها الطابع الإنساني، أوضح سانشيز أن مئات الآلاف من الأشخاص يعيشون اليوم بين ظهرانينا، يعملون ويكدون، ويساهمون بشكل ملموس في مجالات حيوية؛ بدءاً من رعاية كبار السن الذين يحتاجون إلى لمسة حنان ومساعدة، وصولاً إلى تعزيز سلاسل الإنتاج والخدمات، بل وحتى الانخراط في المبادرات الاقتصادية وبناء المشاريع الخاصة. هؤلاء، حسب تعبير رئيس الحكومة، لم يعودوا يعيشون على هامش المجتمع، بل أضحوا خيطاً أصيلاً في نسيجه، يتقاسم أبناؤهم مقاعد الدراسة والمساحات العامة مع أبناء الإسبان، ما يجعل من إدماجهم القانوني خطوة منطقية تتماشى مع نبض الواقع.

هذا التوجه، كما يراه سانشيز، ليس معزولاً عن رؤية إسبانيا كدولة منفتحة ومتعددة، تؤمن بأن التنوع ليس تهديداً بل هو عنصر قوة واغناء. ولم يفت رئيس الحكومة الإشارة إلى أن هذا القرار لم يأتِ من فراغ أو بقرار فوقي محض، بل هو ثمرة مسار اجتماعي طويل وشاق قادته مئات المنظمات المدنية، وبدعم لافت من النقابات وأرباب العمل والمؤسسات الدينية. هذا الإجماع الشعبي، الذي تجسد في مبادرة تشريعية ناجحة، يشكل اليوم ‘استثناءً’ في عالم يزداد استقطاباً وتطرفاً تجاه قضايا الهجرة، ويعكس قدرة المجتمع الإسباني على الالتفاف حول القضايا ذات البعد الإنساني الصرف.

وفي رسالة طمأنة للداخل، شدد سانشيز على أن هذه التسوية لا تعني منح الحقوق بالمجان، بل هي ميثاق يربط بين الحقوق والواجبات. فالهدف هو إدخال هؤلاء الأفراد في الإطار القانوني والاقتصادي للدولة، لضمان مساهمتهم في دعم النظام العام، سواء عبر العمل القانوني أو أداء الضرائب. هذا التوازن، في نظر مدريد، هو ما يمنح العملية معناها الحقيقي، ويحولها من إجراء ظرفي إلى رافعة للاستقرار والاندماج الدائم.

واختتم سانشيز حديثه بالاعتراف بأن الهجرة تطرح تحديات حقيقية لا يمكن إنكارها، لكنه أكد في الوقت ذاته أن مواجهة هذه التحديات لا تكون بالإقصاء أو الجدران، بل بسياسات واقعية تعترف بالآخر وتسعى لتنظيم وجوده. إسبانيا، بهذا القرار، تختار مرة أخرى طريق الاندماج، باعتباره الخيار الأكثر انسجاماً مع قيمها ومصالحها الحيوية على المدى البعيد.