24 ساعة

أسعار النفط.. الورقة ‘الأخطر’ في رقعة الشطرنج بين واشنطن وطهران

لم تعد أسعار النفط مجرد أرقام تتراقص على شاشات البورصات العالمية، بل تحولت منذ أواخر فبراير الماضي إلى ورقة استراتيجية حاسمة في الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وإيران. هذا النزاع الذي بدأ كتوتر جيوسياسي تقليدي، سرعان ما ارتد ليضرب عصب الاقتصاد العالمي، ليثبت مجدداً أن أزمات الطاقة هي الشرارة التي تشعل صدمات اقتصادية طويلة الأمد.

منذ اندلاع المواجهات، قفزت أسعار الخام بشكل لافت، في انعكاس مباشر لحالة الهلع التي أصابت الأسواق من سيناريو انقطاع الإمدادات. القصة هنا لا تتوقف عند كون النفط سلعة عادية، بل تكمن في الدور المحوري الذي تلعبه إيران في خريطة الطاقة العالمية. فهي ليست مجرد منتج رئيسي داخل منظمة ‘أوبك’، بل هي ‘حارس البوابة’ لمضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. أي تهديد لهذا الممر، أو أي تلويح إيراني بإغلاقه، يترجم فوراً إلى أرقام قياسية في سعر البرميل.

ويحذر المحللون من أن سيناريو الإغلاق الكامل للمضيق قد يدفع الأسعار لتجاوز حاجز الـ 120 دولاراً للبرميل، وهو رقم يبعث الرعب في نفوس المستثمرين والمستهلكين على حد سواء. لكن الأثر أعمق من ذلك؛ فارتفاع النفط يعني بالضرورة صعوداً صاروخياً في تكاليف الوقود، والشحن، وحتى أسعار المواد الغذائية التي تعتمد في إنتاجها على الأسمدة والمشتقات النفطية. إننا أمام موجة تضخمية عالمية قد تظل آثارها محفورة في جسد الاقتصاد لسنوات، حتى بعد انقشاع غبار المعارك.

وفي المقابل، نلاحظ كيف تتنفس الأسواق الصعداء بمجرد ظهور بوادر دبلوماسية أو تصريحات سياسية تهدئ الأجواء، مما يؤكد أن السوق بات رهينة لهذه ‘اللعبة السياسية’. ورغم محاولات دول ‘أوبك’، التي تتحكم في نحو 40% من الإنتاج العالمي، لضبط التوازنات، تظل جهودها محدودة أمام تقلبات جيوسياسية تخرج عن نطاق الحسابات الاقتصادية البحتة.

الخلاصة أن النفط لم يعد مؤشراً اقتصادياً فحسب، بل صار مرآة تعكس هشاشة الأسواق أمام صراعات القوى الكبرى. وكلما طال أمد هذا الصراع، ازدادت الفاتورة التي يدفعها العالم، لتتحول ‘الذهب الأسود’ من طاقة محركة للحياة إلى ورقة ضغط سياسية تهدد استقرار الاقتصادات الوطنية والدولية.