24 ساعة

إسلام آباد.. اختبار الدبلوماسية الصعب على صفيح ساخن

تحولت العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، في الأيام الأخيرة إلى منصة دبلوماسية فائقة الحساسية، حيث تستضيف جولة مفاوضات توصف بأنها الأكثر تعقيداً بين الولايات المتحدة وإيران منذ عقود. هذه اللقاءات ليست مجرد روتين سياسي، بل تأتي في لحظة فارقة أعقبت تصعيداً عسكرياً غير مسبوق في مطلع عام 2026، مما جعل خيار الحوار ضرورة ملحة فرضتها الظروف الميدانية أكثر من كونها رغبة سياسية محضة.

منذ اشتعال شرارة المواجهات في منطقة الخليج، دخلت الموازين الإقليمية في دوامة من الارتباك، انعكست بوضوح على أسواق الطاقة العالمية وأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي ظل لسنوات ورقة ضغط استراتيجية في يد طهران. وفي ظل هذا المشهد، برزت باكستان كوسيط ‘غير تقليدي’، مستغلة علاقاتها المتوازنة مع الطرفين لجمعهما على طاولة واحدة، وإن كان سقف التوقعات لا يزال منخفضاً للغاية.

تُظهر مجريات التفاوض اتساع الفجوة بين الطرفين؛ فواشنطن تضع نصب عينيها أمن المنطقة والملف النووي الإيراني، بينما تركز طهران على رفع العقوبات الاقتصادية واستعادة مساحتها السيادية، لا سيما في الملفات البحرية. ولا تتوقف التعقيدات هنا، بل تتداخل مع صراعات إقليمية أخرى، مثل التوتر بين إسرائيل وحزب الله، مما يجعل أي اتفاق محتمل أشبه ببناء هش قد ينهار في أي لحظة.

تتعدد السيناريوهات المطروحة؛ فأكثرها واقعية هو التوصل لاتفاق مرحلي يضمن استمرار الهدنة ويفتح الباب لجولات مقبلة دون حسم القضايا الكبرى. أما السيناريو المتفائل، وهو الأقل احتمالاً، فيتمثل في معالجة جذور الأزمة، وهو أمر تصطدم به انعدام الثقة المزمن. وفي المقابل، يبقى شبح الفشل حاضراً إذا استمرت التطورات الميدانية في لبنان وتصاعدت الضغوط الدولية بشأن سلاح حزب الله.

إن أهمية مفاوضات إسلام آباد تتجاوز أطرافها؛ فهي تعكس إعادة ترتيب لموازين القوى، حيث تسعى دول إقليمية مثل باكستان وتركيا لترسيخ دورها كوسطاء موثوقين. في النهاية، يبدو أن هذه الجلسات أشبه باختبار للنوايا أكثر منها محطة نهائية للحلول، حيث يدرك الجميع أن تكلفة الحرب باتت تفوق بمراحل تكلفة حوار بطيء ومحدود النتائج، في عالم بات عاجزاً عن تحمل مزيد من الأزمات المفتوحة.