في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو مهمة ‘أرتيميس 2’ كواحدة من أكثر الرحلات الفضائية طموحاً في العصر الحديث، لا تقتصر أهمية هذه المغامرة على الجوانب العلمية والتقنية فحسب، بل تمتد لتشمل أدق تفاصيل الحياة اليومية لرواد الفضاء الأربعة، وعلى رأسها قائمة طعامهم.
لم يعد الطعام في الفضاء مجرد وسيلة للبقاء على قيد الحياة، بل تحول إلى ركيزة أساسية للحفاظ على التوازن النفسي والجسدي للطاقم، خاصة في رحلة تدوم عشرة أيام كاملة دون أي إمكانية للإمداد الخارجي. وتشير بيانات وكالة ‘ناسا’ إلى اختيار دقيق لما يقرب من 189 صنفاً من المأكولات والمشروبات، صُممت لتلائم معايير السلامة الصارمة في بيئة انعدام الجاذبية، حيث يتم الابتعاد كلياً عن أي أطعمة قد تتفتت وتؤثر على كفاءة الأجهزة الحساسة داخل مركبة ‘أوريون’.
ووسط هذه القائمة المتنوعة، لفت ‘الكسكس بالمكسرات’ الأنظار كخيار ذكي وعملي. فبعيداً عن قيمته كرمز ثقافي عريق، أثبت هذا الطبق جدارة تقنية عالية؛ فهو سهل التحضير عبر إعادة الترطيب بالماء، وغني بالكربوهيدرات التي تمنح الرواد طاقة سريعة، كما أن قوامه الحبيبي يجعله أكثر أماناً مقارنة بالخبز التقليدي الذي قد يخلف فتاتاً مزعجاً في المركبة.
إن حضور الطبق الذي نعتز به كمغاربة، والمصنف ضمن التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، في قائمة طعام مهمة أمريكية بهذا الحجم، يعكس انفتاح برامج الفضاء العالمية على التنوع الثقافي الإنساني. إنه مشهد يجمع بين برودة العلم ودفء المطبخ؛ حيث يقطع الكسكس المسافة من موائدهم البسيطة في بيوتنا على الأرض وصولاً إلى مدار القمر.
هذه التفاصيل الصغيرة تذكرنا بأن رواد الفضاء، رغم ما يحيط بهم من تكنولوجيا فائقة، يظلون بشراً يبحثون عن نكهات مألوفة تمنحهم السكينة في عزلة الفضاء السحيق. وبذلك، يظل ‘الكسكس’ خير سفير للمطبخ التقليدي في أبعد نقطة وصل إليها الإنسان في العصر الحالي.