عاد ملف مجلس المنافسة ليفرض نفسه بقوة في صلب النقاش العمومي بالمغرب، وسط تساؤلات حارقة لا تتوقف عن جدوى المؤسسات الدستورية حين تصطدم بواقع ‘الجمود’ الحكومي. فبينما يواصل المجلس تحريك المياه الراكدة عبر فتح ملفات حساسة ومراقبة ممارسات الشركات في قطاعات حيوية، بدءاً من الخدمات الرقمية وصولاً إلى أسعار المواد الأساسية، يظل السؤال الكبير قائماً: إلى أي مدى تقبض الحكومة فعلياً على هذه التقارير وتترجمها إلى قرارات ملموسة تحمي جيب المواطن؟
لا يمكن إنكار أن المجلس استعاد جزءاً كبيراً من هيبته، حيث شهدنا في الفترة الأخيرة قرارات جريئة تمثلت في فرض غرامات مالية على شركات خالفت قواعد المنافسة الشريفة. هذه التحركات تبعث برسائل قوية إلى السوق، مفادها أن زمن ‘الفوضى الاقتصادية’ قد ولى، وأن الممارسات الاحتكارية لم تعد بمنأى عن الرقابة. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه المجهودات تظل ناقصة ما لم تجد صدىً قوياً في مكاتب صناع القرار الحكومي.
إن الفجوة بين التشخيص الذي يقدمه المجلس والتنفيذ العملي على أرض الواقع هي مربط الفرس. فالخبير الاقتصادي اليوم لا يبحث عن مجرد تقارير تقنية، بل ينتظر إرادة سياسية حقيقية تتبنى توصيات المجلس كخارطة طريق لضبط الأسعار وتكريس العدالة الاقتصادية. فالمجلس يقدم ‘التشخيص’، لكن الحكومة هي التي تملك ‘المشرط’ للجراحة الاقتصادية.
من الواضح أن التحدي الذي يواجه مجلس المنافسة اليوم يتجاوز مجرد مراقبة الأسعار؛ إنه معركة لكسب ثقة المواطن في مؤسساته. فالمغاربة، الذين يكتوون يومياً بنار الغلاء، لا يريدون سماع أخبار عن غرامات فحسب، بل يطمحون إلى رؤية استقرار فعلي في الأسواق ونهاية لممارسات التغول التي تمس معيشتهم اليومية.
في نهاية المطاف، يبقى الرهان كبيراً على خلق تكامل حقيقي بين المجلس كآلية رقابية والجهاز التنفيذي كذراع للتطبيق. فبدون هذا التناغم، ستظل قرارات مجلس المنافسة مجرد ‘زوبعة في فنجان’، بينما يطمح الجميع إلى سوق وطنية تتسم بالشفافية وتضع حماية القدرة الشرائية فوق كل اعتبار.