لا صوت يعلو في أزقة مكناس وساحاتها هذه الأيام فوق صوت الترقب. ومع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تحولت المقاهي والمجالس وحتى منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات مفتوحة لنقاش ساخن لا يهدأ، عنوانه العريض: ‘ماذا قدم المنتخبون لهذه المدينة؟’.
لم يعد المواطن المكناسي يكتفي بدور المتفرج؛ بل أصبح يرفع سقف طموحاته إلى عنان السماء. ففي الأحياء الشعبية، يتردد سؤال واحد بإلحاح: لماذا تتعثر التنمية في مدينة تمتلك كل مقومات النهوض، من إرث تاريخي عريق إلى مؤهلات فلاحية وصناعية واعدة؟ الإجابة التي تتقاطع عندها أغلب الآراء تشير إلى وجود فجوة عميقة بين الوعود الانتخابية والواقع المعيش، خاصة في مجالات التشغيل، وتأهيل البنيات التحتية، وتجويد الخدمات العمومية.
ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن مكناس اليوم لا تعاني من نقص في الإمكانيات، بل من أزمة ‘رؤية’ وتدبير. فهناك قناعة راسخة بأن النخب الحالية استنفدت رصيدها، وأن المدينة باتت في حاجة ماسة إلى دماء جديدة، نخب قادرة على بلورة رؤية تنموية تتناغم مع هوية المدينة وخصوصياتها، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية.
اللافت للانتباه في هذا الحراك هو الدور المتصاعد للشباب. هؤلاء لم يعودوا يقبلون بأن يكونوا مجرد رقم في سجلات الناخبين؛ بل يصرون اليوم على اقتحام غمار تدبير الشأن العام. إنهم يطالبون بفتح الأبواب لجيل جديد يمتلك جرأة التغيير، بعيداً عن منطق ‘الوجوه المألوفة’ التي حفظها الشارع عن ظهر قلب.
التحدي الحقيقي الذي يواجه الأحزاب السياسية اليوم لا يقتصر فقط على اختيار أسماء جديدة، بل في تبني فلسفة تدبيرية مختلفة تماماً. الشارع المكناسي ينتظر ‘القطيعة’ مع الممارسات القديمة، وتكريس مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمواطن لم يعد يثق في الخطابات الورقية؛ بل يبحث عن برامج واقعية تلامس همومه وتفتح آفاقاً حقيقية للعيش الكريم.
إن مكناس تعيش اليوم لحظة مفصلية، فإما أن تكون الانتخابات القادمة محطة لتصحيح المسار وإعادة ترتيب الأولويات، أو مجرد استمرار لنزيف الثقة. الأكيد أن المدينة تتهيأ لمرحلة جديدة، عنوانها الأبرز هو الفعالية والإنصات الحقيقي لنبض الشارع الذي ملّ من الانتظار.