في حوار عابر قبل حفلات الأوسكار، أطلق الممثل تيموثي شالاميه تصريحاً أثار عاصفة من الجدل في الأوساط الفنية. حين سُئل عن شغفه بالسينما، قارن نفسه بغيره قائلاً: ‘لا أريد العمل في الباليه أو الأوبرا، حيث يضطر المرء لترديد عبارات من قبيل: هيّأوا الأجواء لإبقاء هذا الفن حياً’. بل ذهب أبعد من ذلك زاعماً أن ‘لا أحد يهتم’ بهذه الفنون.
لم تمر كلمات شالاميه مرور الكرام. فنانو الباليه حول العالم، الذين اعتبروا التصريح استعلاءً غير مبرر، ردوا بقوة. لم يكتفِ هؤلاء بالاستنكار، بل شاركت ‘دار الأوبرا والباليه الملكية’ مقاطع توثق حضور الآلاف عروضهم يومياً، ودعوا شالاميه لزيارتهم. بينما نشر راقص روسي فيديو ساخراً يزيل فيه ملصقاً لفيلم شالاميه الجديد ليظهر خلفه ملصق لعرض ‘بحيرة البجع’.
لكن، وبعيداً عن العاطفة، يفتح كلام شالاميه باباً لنقاش أعمق حول ‘تراجع Relevance’ أو أهمية الباليه في عالمنا المعاصر. صحيح أن الباليه ليس ‘ميتاً’، لكنه يعاني من انغلاق على ذاته. فهو فن مكلف مادياً، بدءاً من دروس التدريب وصولاً إلى أحذية ‘البوانت’ التي تلتهم ميزانيات الأسر، ناهيك عن تذاكر العروض التي تظل باهظة للطبقة المتوسطة.
أكثر من ذلك، يواجه الباليه أزمة ‘هوية’. فالحكايات التي نراها على المسرح، مثل ‘جيزيل’ أو ‘روميو وجولييت’، تدور في فلك عوالم قديمة، وقوالب جندرية متصلبة تكرس صورة المرأة الضعيفة والرجل القوي. كما أن الباليه يرزح تحت ضغوط المعايير الجسدية القاسية، وهو ما يجعله بعيداً عن واقع الحياة اليومية.
مع ذلك، هناك تيار إصلاحي يعمل في الخفاء. فمبادرات مثل ‘Memoirs of Blacks in Ballet’ و ‘Final Bow for Yellowface’ تعمل على كسر التحيز العرقي، بينما بدأت شركات مثل ‘Northern Ballet’ تقدم قصصاً عصرية ومبتكرة تبتعد عن التقاليد البالية. كما أن هناك وعياً متزايداً بضرورة حماية صحة الراقصين النفسية والجسدية بدلاً من تقديس المعاناة التي كانت جزءاً من ‘المدارس القديمة’.
خلاصة القول، ربما لم يقصد شالاميه الإساءة، لكن كلامه جاء كمرآة عاكسة لواقع يرى في الباليه فناً ‘متحفياً’. سيبقى الباليه حياً طالما هناك من يدافع عنه، لكن بقاءه يتطلب منه شجاعة لمواجهة عيوبه وتطوير نفسه ليكون فناً للجميع، لا مجرد أيقونة للنخبة.