في خريف عام 2008، استيقظت الساحة السياسية في الجزائر على وقع ‘اكتشاف’ مفاجئ للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. لم يكن الاكتشاف يتعلق ببرنامج تنموي أو مشروع اقتصادي، بل بـ ‘خطأ تقني’ في الدستور؛ هذا الخطأ المزعوم تمثل في المادة 74 من دستور 1996، التي كانت تضع سقفاً صارماً يمنع الرئيس من البقاء في الحكم لأكثر من ولايتين.
لم يكن بوتفليقة ليقبل بهذا القيد، فأعلن عن تعديل دستوري يهدف إلى إلغاء هذا السقف، فاتحاً الأبواب على مصراعيها لترشحه لولاية ثالثة في انتخابات 2009. وقتها، اعتبر العديد من المثقفين الجزائريين أن هذا النص الدستوري كان بمثابة ‘صمام أمان’ لمنع تغول السلطة التنفيذية، لكن السلطة كان لها رأي آخر.
بدلاً من اللجوء إلى استفتاء شعبي قد يواجه مخاطر ضعف المشاركة، اختارت السلطة المسار البرلماني. وفي 29 أكتوبر 2008، برر الرئيس خطوته تحت قبة القضاء بأنها تهدف لتمكين الشعب من ‘ممارسة حقه في اختيار حكامه’. وبعد أيام قليلة، في 12 نوفمبر، حسم البرلمان بغرفتيه الأمر؛ حيث صوت 500 عضو لصالح التعديل، مقابل معارضة خجولة من 21 صوتاً فقط.
لم تكن هذه الخطوة وليدة اللحظة، بل كانت طموحاً راود بوتفليقة منذ وصوله للحكم عام 1999، حيث كان ينتقد دائماً دستور 1996 بكونه يحد من صلاحيات الرئيس. واللافت أن هذا التغيير الجوهري حدث في ظل ظروف بالغة التعقيد؛ فالجزائر كانت لا تزال تعيش تحت وطأة حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1992، مع تزايد الهجمات المسلحة والاحتجاجات الاجتماعية، فضلاً عن تضييق الخناق على الحريات الإعلامية والسياسية.
مر التعديل بهدوء قسري، لتأتي نتائج انتخابات 2009 وتؤكد فوز بوتفليقة بنسبة ساحقة بلغت 90.24 بالمئة. لقد شكل ذلك التعديل منعطفاً حاسماً في تاريخ الجزائر السياسي، حيث أثبت كيف يمكن تطويع النصوص القانونية لخدمة موازين القوى القائمة، محولاً ‘الدستور’ من حامٍ للحقوق إلى أداة لإعادة هندسة قواعد اللعبة السياسية من جديد.