في الوقت الذي تفرض فيه التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط واقعاً معقداً على حركة الطيران الدولي، كشفت الأيام القليلة الماضية عن هوة كبيرة في طريقة تعامل الدول مع مواطنيها العالقين. وفي قلب هذه الأحداث، برز بوضوح التباين الصارخ بين المقاربة الإنسانية المنظمة لدولة الإمارات، والارتباك الدبلوماسي الذي طبع تحركات السلطات الجزائرية في دبي.
الإمارات، وكعادتها في إدارة الأزمات، لم تكتفِ بتسهيل الأمور، بل أطلقت حزمة من التدابير الاستثنائية التي تعكس نظرة إنسانية ومؤسساتية رصينة. فقد أعلنت السلطات هناك إعفاء المقيمين والزوار الذين تعطلت خطط سفرهم بسبب إغلاق الأجواء من غرامات مخالفات الإقامة، وهو قرار شمل أصحاب تصاريح المغادرة المنتهية، ومن أُلغيت إقاماتهم، وحتى حاملي التأشيرات السياحية التي انتهت صلاحيتها خلال فترة الاضطراب. هذه الخطوة جاءت لتخفف الضغط عن آلاف المسافرين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بفعل قوة قاهرة خارجة عن إرادتهم.
وعلى الضفة المقابلة، كان المشهد الجزائري مختلفاً تماماً، بل ومثيراً للاستغراب. فبعد تقارير عن إرسال طائرة تابعة للخطوط الجوية الجزائرية إلى دبي لإجلاء الرعايا العالقين، انتهت المهمة بصورة مخيبة للآمال؛ حيث عادت الطائرة أدراجها خاوية من الركاب بعد تعثر عملية الصعود. هذا “الفشل اللوجستي” دفع بالكثيرين لطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى التنسيق الدبلوماسي وغياب التخطيط المسبق في مثل هذه المواقف الحساسة.
ويرى مراقبون أن هذا المشهد ليس سوى انعكاس لـ”هشاشة” العمل القنصلي الجزائري في التعامل مع الطوارئ، وهو انتقاد لطالما واجهته الدبلوماسية الجزائرية. فبينما تحركت دول أخرى بسرعة قياسية، جاءت الردود الجزائرية متأخرة؛ حيث سارعت القنصلية في دبي إلى طمأنة الرعايا ودعوتهم للالتزام بتعليمات السلطات المحلية، كما أعلنت وزارة الخارجية عن إنشاء “خلية أزمة” مركزية تحت إشراف سفيان شايب، كاتب الدولة المكلف بالجالية الوطنية بالخارج. لكن، هل تكفي هذه البيانات المتأخرة لتعويض غياب الحضور الميداني الفعال؟
إن ما حدث في دبي يضع الدبلوماسية الجزائرية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية مواطنيها وضمان سلامتهم في الأوقات الصعبة. وفي انتظار استقرار الأجواء وعودة حركة الطيران إلى طبيعتها، يبقى عالقون كثر ينتظرون إجابات عملية لا تقتصر على الوعود الرسمية، بل تمتد إلى ضمانات واقعية تحفظ كرامتهم وتسهل عودتهم إلى ديارهم، بعيداً عن صخب البيانات المكررة.