24 ساعة

الخليع الفاسي.. إرث عريق يختزل تاريخ حاضرة فاس

في قلب المدينة القديمة بفاس، حيث تتداخل الأزقة العتيقة وتتعاقب الأجيال على صون تفاصيل الحياة اليومية، لا يزال ‘الخليع’ يحتفظ بمكانة خاصة في الذاكرة الجماعية للفاسيين، متجاوزاً كونه طبقاً تقليدياً ليصبح رمزاً لهوية المائدة المغربية.

يمثل الخليع تقنية تقليدية عريقة لحفظ اللحوم، تعتمد على التجفيف والتبيل والتخزين وفق طرق متوارثة انتقلت عبر السنين. هذه الممارسات لم تكن مجرد وسيلة للطعام، بل تعبيراً عن نمط حياة كان يعتمد على التدبير الذكي للموارد المتاحة وتخزينها لفترات طويلة.

بين جدران الأسواق التقليدية وبيوت المدينة العتيقة، توارثت العائلات أسرار تحضير الخليع، محافظين على تفاصيله الدقيقة التي تجعل منه مادة غذائية ذات قيمة اجتماعية وثقافية. فهو يفتح نافذة على تقاليد الضيافة، وأعراف التدبير المنزلي، ومكانة المطبخ في صلب الأسرة المغربية التقليدية.

وعلى الرغم من التحولات المتسارعة في أنماط العيش والاستهلاك، لا يزال الخليع حاضراً في الكثير من البيوت والمتاجر التقليدية، وإن اختلفت طرق إنتاجه أو تقديمه. يراه البعض عنصراً أساسياً لا يكتمل المطبخ الفاسي بدونه، بينما يراه آخرون جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة المدينة التي تستحضر تفاصيل الماضي.

إن الخليع الفاسي ليس مجرد مذاق يعود بنا إلى الوراء، بل هو حكاية تتناقلها الأجيال، تماماً كما يتوارث سكان المدينة العتيقة أسرار أزقتها ومعالمها، ليظل صامداً في وجه الزمن، شاهداً على عراقة مائدة اختزلت في مكوناتها تاريخاً من التقاليد المغربية الأصيلة.