24 ساعة

مهنة ‘تشويط الرؤوس’ بالمغرب.. من طقس عائلي إلى قطاع موسمي منظم يدر دخلاً على الشباب

بمجرد أن تنتهي طقوس ذبح الأضاحي وتستقر الأجواء قليلاً في صبيحة يوم العيد، تبدأ ملامح نشاط اقتصادي واجتماعي فريد في الظهور بمختلف أزقة ومدن المملكة. إنها مهنة ‘تشويط رؤوس الأضاحي’، التي لم تعد مجرد عادة عابرة، بل تحولت إلى قطاع موسمي حيوي ينتظر الكثير من الشباب قدومه لضمان دخل مادي إضافي ينعش جيوبهم في هذه المناسبة الدينية.

المشهد يبدو مألوفاً وحيوياً في آن واحد؛ نيران مشتعلة، قنينات غاز مرصوصة، وأيادٍ خبيرة تتعامل بمهارة مع ألسنة اللهب لتنظيف الرؤوس من الصوف والوبر قبل تسليمها لأصحابها جاهزة للطبخ. هذا الإقبال المتزايد على ‘المحترفين’ في هذا المجال يعكس رغبة الأسر المغربية في تفادي عناء العملية التي تتطلب صبراً ومعدات خاصة، فضلاً عن الخبرة في التعامل مع النار وضمان نظافة المنتج النهائي.

ومع تطور الحياة الحضرية، بدأت الجماعات الترابية في عدة مدن، وعلى رأسها مدينة طنجة، في اتخاذ خطوات جادة لتنظيم هذا النشاط الموسمي. فبدلاً من العشوائية التي كانت تملأ الشوارع بالدخان والنفايات، تم تخصيص فضاءات محددة وساحات مهيأة لممارسة هذه المهنة. هذا التوجه التنظيمي لم يأتِ من فراغ، بل يهدف بالأساس إلى حماية البيئة والصحة العامة، وضمان مرور أجواء العيد في ظروف تحترم جمالية الفضاء العام وتحد من الروائح الكريهة التي قد تزعج السكان في الأحياء المكتظة.

ويرى المشتغلون في هذه الحرفة أن ‘التقنين’ يخدم مصلحتهم أولاً، إذ يوفر لهم أماكن عمل آمنة وبعيدة عن مضايقات الجيران، كما يسهل على المواطنين الوصول إلى الخدمة بسرعة وجودة أكبر. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بحرق الصوف، بل بعملية تنظيف متكاملة تستجيب لمعايير يطلبها الزبون الذي يفضل دفع مبلغ مالي مقابل الحصول على ‘رأس أضحية’ نظيف وجاهز دون أن يضطر لتحويل منزله إلى ‘ورشة’ للنار والدخان.

إن استمرار ازدهار مهنة ‘تشويط الرؤوس’ يعكس تحولاً اجتماعياً عميقاً في المغرب؛ حيث انتقلت الكثير من المهام المرتبطة بعيد الأضحى من نطاق الممارسة المنزلية التقليدية إلى فضاء الخدمات المهنية المنظمة. وهو تحول تفرضه طبيعة السكن الحديث وضيق الوقت، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على طابع ‘البهجة’ والنشاط الذي يميز العيد في قلوب المغاربة، محولاً هذه الحرفة إلى مورد مالي لا يستهان به رغم قصر مدته الزمنية.