ليست مجرد جدران متداعية أو حجرات دراسية صامتة، بل هي ذاكرة مدينة سطات النابضة التي بدأت تخبو ملامحها تحت وطأة الإهمال. مدرسة الخنساء الابتدائية، ذلك الاسم الذي ارتبط في أذهان أجيال السطاتيين بالعصر الذهبي للتعليم العمومي، تعيش اليوم وضعاً مأساوياً يدمي القلوب، بعدما تحولت من منارة للعلم والمعرفة إلى مأوى للمتسكعين وملاذٍ للمنحرفين، وصارت جثة هامدة بلا روح تتآكل يوماً بعد يوم.
تأسست هذه المعلمة التربوية العريقة في قلب مدينة سطات سنة 1935، مخلدةً اسم الشاعرة العربية المخضرمة ‘تماضر بنت عمرو’، الملقبة بالخنساء، والتي عُرفت بصبرها وجلدها. ومنذ ذلك الحين، كانت المدرسة بمثابة ‘الأم الحنون’ التي تخرجت من أبوابها كفاءات وأطر وطنية بصمت تاريخ المغرب في مجالات شتى. يتذكر أبناء ‘الجيل الذهبي’ بكثير من الحنين كيف كانت فضاءً يعج بالحياة والنشاط، يرددون فيها أناشيد حب المدرسة والوطن، لكنها اليوم أصبحت أطلالاً تقاوم قسوة الطبيعة وتصارع الاندثار.
المثير للقلق في قصة ‘الخنساء’ ليس فقط الإغلاق الذي طال أمده، بل تلك العيون المتربصة بها من بعيد؛ حيث يسود تخوف كبير بين الساكنة والفعاليات المحلية من أن تتحول هذه المعلمة التاريخية إلى لقمة سائغة في يد ‘منعشي العقار’ الذين يضعون نصب أعينهم موقعها الاستراتيجي المتميز أمام ‘مدار الحصان’ الشهير. إنها صرخة استغاثة حقيقية لكل من يهمه تاريخ هذه المدينة، من أجل اتخاذ قرار شجاع يعيد الحياة لهذا الوعاء العقاري ذو الحمولة الرمزية الكبيرة.
وفي هذا الصدد، كانت نادية فدمي، رئيسة جماعة سطات، قد كشفت في وقت سابق عن مساعيها لتسوية الوضعية القانونية للمدرسة، مشيرة إلى مقترحات لشراكات تجمع بين المديرية الإقليمية للتعليم والمجلس الإقليمي وأطراف متدخلة أخرى. وأكدت فدمي أن هذا الملف لا يزال ينتظر تفاعلاً حقيقياً وجدياً من بقية الأطراف المعنية لإخراج المدرسة من وضعية ‘الموت السريري’ وإعادة تأهيلها بما يليق بمكانتها.
إن إعادة الاعتبار لمدرسة الخنساء ليست مجرد ترف أو حنين للماضي، بل هي ضرورة ملحة لحماية هوية سطات التعليمية. فهل ستتحرك الجهات المسؤولة لترميم هذا الرمز وإعادة فتحه أمام الناشئة لتستعيد المدرسة بريقها، أم أن ‘لغة الإسمنت’ والمصالح الضيقة ستكون لها الكلمة الأخيرة في وأد هذه الذاكرة الحية؟