24 ساعة

210 مليار درهم لإنعاش ‘خارطة التنمية’ في المغرب.. رهان ملكي لتحقيق العدالة المجالية

في خطوة ترسم معالم مرحلة جديدة من عمر التنمية في المملكة، شهد القصر الملكي بالرباط انعقاد مجلس وزاري ترأسه الملك محمد السادس، توج بقرار ضخم يهم تخصيص غلاف مالي يصل إلى 210 مليار درهم على مدى ثماني سنوات. هذا الرقم، الذي يعتبر من بين الأكبر في تاريخ الاستثمارات المجالية بالمغرب، ليس مجرد أرقام في ميزانية، بل هو تعبير صريح عن إرادة سياسية قوية لتغيير وجه التنمية في مختلف جهات المملكة.

لماذا هذا القرار الآن؟ الإجابة تكمن في قناعة الدولة بأن زمن ‘التنمية المركزية’ قد ولى. اليوم، يتجه المغرب نحو إعادة توزيع الفرص والثروات بعيداً عن المحاور التقليدية التي لطالما استأثرت بنصيب الأسد، وهو ما يهدف إلى تخفيف الضغط عن المدن الكبرى، ومواجهة تحديات الهجرة الداخلية، وضمان عدالة مجالية تضمن لكل مواطن حقه في التنمية، سواء كان في قلب الدار البيضاء أو في أقاصي المناطق الجبلية والنائية.

ما يميز هذه المبادرة هو الانتقال الجذري من منطق التدخلات القطاعية المشتتة إلى مقاربة مندمجة. لن نعد نرى مشاريع معزولة، بل خططاً متكاملة تجمع بين البنية التحتية، والنمو الاقتصادي، والخدمات الاجتماعية. المياه، النقل، والتجهيزات الأساسية ستكون هي العصب المحرك لهذه المشاريع، بهدف خلق بيئة جاذبة للاستثمار قادرة على خلق فرص شغل حقيقية للشباب.

ويجمع المتابعون للشأن الاقتصادي على أن هذا الغلاف المالي يأتي في وقت حساس يمر فيه الاقتصاد العالمي بتقلبات متسارعة، مما يفرض على الدولة لعب دور ‘المحرك’ للحفاظ على الدينامية الوطنية. كما تكتسي هذه المشاريع أهمية مضاعفة مع اقتراب المغرب من استضافة تظاهرات دولية كبرى، مما يضع التحدي على عاتق المسؤولين لتسريع وتيرة الإنجاز وتجويد الحكامة.

ختاماً، يمثل هذا القرار لبنة أساسية في صرح ‘الجهوية المتقدمة’. التحدي الأكبر الذي يواجهنا اليوم ليس في المال المرصود فحسب، بل في كيفية تدبيره وتنزيله على أرض الواقع لضمان وصول أثره إلى المواطن البسيط، وتجاوز الاختلالات التي شابت برامج سابقة. إنها رؤية بعيدة المدى، تضع التنمية المجالية كعمود فقري لمغرب الغد، المتوازن، المتنافس، والقادر على كسب رهان المستقبل.