24 ساعة

معضلة التعيينات في المناصب العليا.. هل نضحي بالكفاءة على مذبح المحسوبية؟

تتجدد النقاشات في المغرب، بين الفينة والأخرى، حول المعايير الحقيقية التي تحكم اختيار المسؤولين على رأس الإدارات والمؤسسات العمومية. هي ليست مجرد نقاشات صالونات، بل هي تساؤلات مشروعة يطرحها الرأي العام والمراقبون للشأن العام، حول ما إذا كانت ‘الكفاءة’ و’التجربة المهنية’ هما فعلاً البوصلة الموجهة لهذا النوع من التعيينات، أم أن هناك حسابات أخرى تتسلل إلى المشهد.

الواقع يفرض نفسه بمرارة في العديد من القطاعات؛ إذ يجد بعض المسؤولين، الذين تقلدوا مناصب حساسة، أنفسهم في مواقف لا يحسدون عليها عند الممارسة الميدانية. السبب؟ بساطة، نقص في التكوين الإداري أو ضعف في الخبرة التدبيرية الضرورية لتسيير المرافق العمومية المعقدة. هذه الفجوة المعرفية ليست مجرد تفصيل إداري عابر، بل تترجم فوراً إلى تعثر في الأداء وتراجع في تحقيق النتائج السنوية المسطرة، ما يجعل المرفق العمومي يدور في حلقة مفرغة من الانتظارية.

ويرى مهتمون بحكامة التدبير الإداري أن اعتماد منطق غير مبني على الاستحقاق المهني يضع الإدارات أمام تحديات حقيقية، خاصة عند تنزيل الأوراش الكبرى أو الوفاء بالالتزامات التنموية. فكيف لمسؤول لا يمتلك أدوات القيادة والخبرة الميدانية أن ينجح في تدبير موارد بشرية ومالية ضخمة؟ الجواب يتضح جلياً في تقارير الأداء التي تكشف ضعف الحصيلة السنوية لبعض القطاعات.

اليوم، يرتفع صوت المطالبين بضرورة القطع مع ‘الولاءات’ وتغليب مصلحة الوطن عبر إعلاء قيم الشفافية وتكافؤ الفرص. إن الرهان على تحديث الإدارة وتجويد الخدمات المقدمة للمواطن المغربي يقتضي بالضرورة تحييد التعيينات عن التجاذبات السياسية والحزبية الضيقة. فالإدارة العمومية ليست مكافأة لمن يستحق ومن لا يستحق، بل هي محرك تنموي يتطلب كفاءات قادرة على مسايرة إيقاع الإصلاح والتحول.

إن ربط المسؤولية بالمحاسبة يبقى شعاراً فارغاً ما لم تقترن التعيينات بمعايير صارمة وشفافة. المطلوب اليوم، وبكل إلحاح، هو فتح نقاش جدي حول آليات انتقاء ‘النخب الإدارية’، وضمان جذب الكفاءات القادرة فعلاً على رفع تحديات المستقبل، بدل الاعتماد على منطق التعيين الذي أثبتت التجربة أنه غالباً ما يفرز نتائج دون الطموحات المرجوة.