24 ساعة

كيف استغلت روسيا اشتعال فتيل الحرب في إيران لتربح من ‘الفوضى’؟

في الوقت الذي يغرق فيه الشرق الأوسط في أتون حرب طاحنة، خلفت مئات الضحايا وأشعلت أسعار النفط العالمية، تبدو روسيا وكأنها تراقب المشهد من منصة التتويج. فبينما يواجه الجميع تبعات هذه الفوضى، تخرج موسكو من الأسبوع الأول للهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران كطرف رابح بامتياز، محولة الأزمات الجيوسياسية إلى أوراق ضغط ومكاسب اقتصادية.

لم تخفِ موسكو موقفها؛ إذ أدانت بوضوح الضربات، واصفة إياها بالعدوان السافر، بل ونددت بمقتل المرشد الأعلى الإيراني. لكن بعيداً عن التصريحات الدبلوماسية، يرى المحللون أن بوتين استشرف مصلحته مبكراً. فالحرب في إيران توفر للكرملين ‘دخانًا’ كثيفًا يشتت الانتباه عن أوكرانيا، وتضع الولايات المتحدة في مأزق جديد ينهك مواردها وقدراتها العسكرية.

على الصعيد الاقتصادي، تبدلت أحوال قطاع الطاقة الروسي فجأة. فبعد أن عانى من حصار العقوبات وتراجع الأسعار، جاءت الحرب في إيران لتنعش الأسواق مجددًا. لقد تحول النفط الروسي من سلعة مباعة بخصومات كبيرة إلى بضاعة مطلوبة بأسعار ممتازة، مستفيدًا من ارتباك إمدادات الخليج. حتى واشنطن، وفي محاولة لاحتواء أسعار الوقود المحلية، بدأت تلمح لمرونة في التعامل مع واردات النفط الروسي العالقة في البحار، في تراجع تكتيكي عن صرامة العقوبات.

الخسارة الأكبر للغرب ربما تكمن في ‘أنظمة الدفاع’. فمع استنزاف صواريخ ‘باتريوت’ الأمريكية في التصدي للصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة، باتت أوكرانيا في موقف حرج، خاصة مع إدراك الحلفاء الأوروبيين أن الإنتاج الحالي لا يكفي لتلبية احتياجات الشرق الأوسط وأوكرانيا معًا. وروسيا تدرك ذلك جيدًا؛ إذ صعدت من وتيرة هجماتها الجوية على المدن الأوكرانية مستغلة هذا الفراغ الدفاعي.

أما عن الدور الروسي الاستخباراتي، فتشير تقارير غربية إلى أن موسكو ربما تزود طهران بمعلومات دقيقة عن التحركات العسكرية الأمريكية. ورغم التكتم الرسمي أو النفي الذي تبديه واشنطن، إلا أن المحلل ‘روبرت بيرسون’ يلخص المشهد بدقة: ‘أي محاولة لتعقيد أو تقويض القوة الأمريكية في المنطقة تصب في مصلحة روسيا وتغير موازين القوى لصالحها’.

يبدو أن موسكو لم تكن مجرد مراقب، بل هي لاعب ذكي عرف كيف يقتنص الفرص وسط النيران، في وقت لا يزال فيه الرئيس ترامب والإدارة الأمريكية يصارعون لاحتواء لهيب حرب قد تكون تداعياتها أبعد بكثير مما يتخيله الجميع.