في قلب التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة غرب المتوسط، بدأت الأقلام الإسبانية تعيد قراءة المشهد الدبلوماسي بعيون أكثر واقعية. تقرير حديث للصحافية الإسبانية ماكارينا غوتيريز، نُشر على موقع ‘لارازون’، يضع الأصابع على الجرح: الرباط لم تعد مجرد شريك إقليمي، بل تحولت إلى فاعل دولي يفرض إيقاعه الخاص، في وقت تبدو فيه مدريد وكأنها تكتفي بردود الفعل.
نقطة التحول المفصلية، وفقاً للتقرير، كانت ذلك الانعطاف التاريخي في مارس 2022، حينما أقر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي للصحراء المغربية. بالنسبة للجانب الإسباني، كان هذا ‘انقلاباً دبلوماسياً’ أعاد ترتيب أوراق القوى، ليس فقط في العلاقة الثنائية بين الرباط ومدريد، بل وأيضاً في التوازنات المعقدة مع الجزائر.
ما يلفت الانتباه في القراءة الإسبانية هو الربط الذكي بين ‘الدبلوماسية الهادئة’ للرباط والدعم الأمريكي الثابت. فمنذ الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام واعتراف واشنطن بالسيادة المغربية، بات المغرب شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه لأمريكا في شمال إفريقيا. وفي حين تتخبط إسبانيا في مواقف سياسية متباينة مع الإدارة الأمريكية، يرسخ المغرب أقدامه كحليف موثوق، مدعوماً برؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وعلى الجبهة الأخرى، يغوص التقرير في ملف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، واصفاً إياه بأداة ضغط استراتيجية بيد الرباط. فالمغرب، حسب التحليل، يربط الاقتصاد بالسيادة بمهارة عالية؛ فإغلاق الجمارك التجارية أو إعادة فتحها ليس مجرد إجراءات روتينية، بل هي رسائل سياسية واضحة. وفي مقابل ذلك، يكتفي المسؤولون الإسبان بالحديث عن ‘طبيعية الأمور’، بينما يشتكي رجال الأعمال من استمرار التذبذب، مما يعكس هوة كبيرة في منهجية العمل بين الطرفين.
الخلاصة التي يخرج بها التقرير هي أن المغرب يمتلك ‘نَفَساً طويلاً’؛ فهو يتحرك عبر لوبيات مؤثرة في واشنطن والاتحاد الأوروبي، ويستثمر في تحالفات دولية واضحة. أما إسبانيا، فتجد نفسها اليوم في معادلة صعبة: الحفاظ على التعاون الأمني والهجري مع المغرب، وفي الوقت نفسه محاولة حماية مصالحها المتراجعة. باختصار، الرباط انتقلت من خانة ‘الفعل’ إلى خانة ‘التأثير’، في حين ما تزال مدريد تحاول استيعاب قواعد اللعبة الجديدة في بحر المتوسط.