24 ساعة

عيد الأضحى بين الأمس واليوم.. هل قتلت ‘الرقمنة’ دفء اللمة المغربية؟

يتحسر الكثيرون اليوم، وهم يستحضرون ذكريات أعياد مضت، عن ذلك الزمن الذي كان فيه للعيد طعم خاص ورائحة تفوح في كل الدروب. هي همسات حزينة تلخص حجم الشوق لزمن ‘النية’ والتضامن، حيث كان العيد مناسبة لصلة الرحم وتوزيع الأدوار بين أفراد العائلة، لا مجرد طقس ميكانيكي بارد يُؤدى خلف الأبواب المغلقة.

اليوم، نعيش في خضم ‘زمن العولمة’ الذي حول الفرد إلى كائن معزول داخل جدران منزله؛ يذبح أضحيته ويوصد بابه في وجه الجميع، غائباً عن جيرانه الذين قد لا يتبادل معهم سوى نظرات خاطفة أو تحايا باردة. حتى الشوارع التي كانت تعج بالحياة، باتت اليوم شاهدة على ‘فشل’ جيل جديد في التعامل مع طقوس الأضحية، لتتحول الأرصفة إلى مرامٍ عشوائية لرؤوس وجلود مهملة، في مشهد يسيء لجمالية العيد وقدسيته.

أين هو دور الجدة الحكيمة والأم المدبرة؟ وأين غابت رائحة ‘ماء الزهر’ وثياب العيد البيضاء الناصعة؟ يتساءل الكثيرون بحرقة عن تلك ‘اللمة’ التاريخية حول موائد الشواء وكؤوس الشاي بالنعناع التي فقدت هي الأخرى عطرها الفواح. لقد سرقت الهواتف الذكية بريق العيد، وأصبح هوس ‘اللايكات’ والبحث عن ‘البوز’ على منصات التواصل الاجتماعي هو المحرك الأساسي للكثيرين، حتى لو كان ذلك على حساب خصوصية الشعيرة الدينية.

لقد دخلنا عصر التبريكات ‘المعلبة’ عبر تقنية ‘النسخ واللصق’، حيث يرسل الشخص رسائل جامدة قد لا يعرف حتى هوية مستلميها، المهم لديه أن عملية الإرسال تمت بنجاح. ضاعت الزيارات الميدانية التي كانت تشكل عصب صلة الرحم، وأصبح الأطفال -رجال الغد- يكبرون دون تذوق المعنى الحقيقي للعيد بحواسهم ومشاعرهم الصادقة.

في الماضي، كان ‘كبير الحي’ يتجول ليبارك للجميع، واضعاً خبرته في الذبح رهن إشارة الجيران وبالمجان. كانت الأبواب مشرعة، ومن طرق باباً لا يخرج منه إلا وقد تذوق ‘الكبدة’ و’الشواء’. أما اليوم، فقد أصبح المشهد عبارة عن سباق محموم مع الزمن؛ فالكل يسارع لتقطيع اللحم وتخزينه في المجمدات خوفاً من تغير لونه، دون منح الصغار فرصة الاستمتاع بلحظات ‘المجمر’ والفرجة التقليدية.

إنها ثورة المنصات الرقمية التي حولت الأضحية إلى ‘خدمة سريعة’ تبدأ بالشراء عبر الفضاء الأزرق وتنتهي بالتقطيع المبرمج. لقد فقدنا لحظة العمل التشاركي، وانتقلنا من عالم الطقوس الوجدانية المثقلة بالتاريخ، إلى عالم الرقمنة الذي حول العبادة إلى معاملات مادية جافة.

يبقى التحدي الأكبر اليوم هو استعادة ‘حضور القلب’ في هذه الشعيرة، والتمسك بجوهر العيد كقيمة روحية وإنسانية تعزز العطاء، بدلاً من تركه يغرق في فوضى الاستهلاك الرقمي والتباهي الاجتماعي الخاوي الذي يقتل جوهر ‘سنة الخليل إبراهيم’ عليه السلام.