عشرون عاماً ليست مجرد رقم في سجلات الزمن، بل هي حياة كاملة تلاشت تفاصيلها بين جدران باردة وقضبان حديدية. اليوم، وبينما بدأت أيام الحبس تقترب من نهايتها، تسلل إلى قلبي شعور غريب؛ مزيج من الرهبة والفضول لم أعهده منذ اللحظة الأولى لدخولي هذا المكان. كنت أظن أن الحرية مجرد باب يُفتح، لكنها بدأت تتبدى لي كاختبارٍ قاسٍ لصلابتي النفسية وقدرتي على مواكبة عالمٍ مضى دونه قطار حياتي.
دخلتُ السجن شاباً ممتلئاً بالطموح والاندفاع، وأخرجُ منه اليوم برجلٍ نضج على مهل، مسلحاً بالصبر ودروس العزلة القاسية. السؤال الذي يؤرقني في لياليّ الأخيرة خلف القضبان ليس ‘كيف سأخرج؟’، بل ‘كيف سأعيش؟’. العالم بالخارج لم يعد كما تركته؛ التكنولوجيا، الناس، العلاقات، وحتى شوارع مدينتي، كلها تغيرت. هل ما زلت أنتمي إلى ذلك المكان الذي غادرته منذ عقدين؟
لم يكن التحدي جسدياً فحسب، بل كان نفسياً بامتياز. وجدتُ نفسي أدوّن مخاوفي على الورق، أحاول ترتيب أفكاري المبعثرة، وأتأمل في قدرتي على مواجهة نظرات الناس، أو استعادة علاقتي ببناتي وأصدقائي الذين ربما تغيرت في عيونهم صورتي. كانت جلسات التأمل اليومية وسيلتي الوحيدة للنجاة؛ إذ كنت أحاول إقناع نفسي أن الحرية تبدأ من الداخل، من حالة التصالح مع الذات، قبل أن تضع قدميَّ أول خطوة في الشارع.
حتى رفاق المحنة، صاروا جزءاً من هذه الرحلة؛ فمشاركة المخاوف معهم جعلت من فكرة ‘ما بعد السجن’ أقل رعباً. لقد أدركت أن القوة التي اكتسبتها داخل الزنزانة، رغم قسوتها، هي ذاتها العدة التي سأحملها معي لبناء حياة جديدة. إن الحرية ليست خروجاً من السجن فحسب، بل هي عملية إعادة بناء لإنسان هدمته السنون وأعاد صياغته الألم. إنها رحلة ألف ميل، تبدأ بخطوة شجاعة في عالم لم أعد أعرفه، لكنني مستعد لاكتشافه من جديد، بقلبٍ يملؤه الأمل وقدرٍ كبير من الحذر. يتبع.