24 ساعة

‘عبودية حديثة’ في مليلية المحتلة.. ‘حياة الماعز’ تطارد مقاولين استغلوا قاصرين مغاربة

يبدو أن صدى رواية ‘حياة الماعز’ لم يعد حبيس الشاشات أو الروايات البعيدة، بل بات واقعاً مريراً يطارد القاصرين المغاربة في مليلية المحتلة. فقد فتحت السلطات الإسبانية في الثغر المحتل ملفاً ثقيلاً يفوح برائحة ‘العبودية الحديثة’، بعد تحقيقات أمنية معمقة كشفت تورط مقاولين ورجال أعمال في استغلال أطفال وقاصرين لم يبلغوا الحلم بعد، في أشغال شاقة وظروف تحط من الكرامة الإنسانية.

الشرارة انطلقت عقب توقيف مقاول للاشتباه في تشغيله لفتى مغربي لم يتجاوز الـ 17 من عمره في ظروف وصفها المحققون بـ ‘اللاإنسانية’. هذا الحادث لم يكن سوى الشجرة التي تخفي غابة من الاستغلال البشع، حيث وجد هؤلاء الصبية أنفسهم عالقين في دوامة من القهر، بعيداً عن أعين الرقابة، وفي قلب مدينة كانت بالنسبة لهم بوابة نحو ‘الفردوس الأوروبي’ قبل أن تتحول إلى سجن اقتصادي كبير.

تحقيقات ‘وحدة مكافحة شبكات الهجرة’ (UCRIF) كشفت تفاصيل صادمة تدمي القلوب؛ فالفردوس الموعود لم يكن سوى ‘يورو واحد’ للساعة، مقابل ساعات عمل طويلة ومرهقة، بلا عقود قانونية، ولا تغطية صحية، ولا أدنى معايير السلامة. والمثير للدهشة والاستنكار، أن الضحية كان رسمياً تحت وصاية مديرية القاصرين التابعة للحكومة المحلية، لكن جشع المشغلين استغل وضعيته القانونية الهشة وحاجته الماسة للمال للإفلات من الرقابة، في ضرب صارخ لكل القوانين الدولية التي تحمي الطفولة.

في أزقة مليلية، باتت عبارة ‘حياة الماعز’ مصطلحاً متداولاً لوصف الجحيم اليومي لهؤلاء الفتية، الذين فروا من وطأة الفقر ليجدوا أنفسهم ‘سلعاً رخيصة’ في يد شبكات استغلال لا ترحم. هؤلاء القاصرون، الذين تسللوا إلى المدينة بحثاً عن أمل، يعيشون اليوم حالة من العزلة والخوف الدائم من الترحيل، وهو السلاح الذي يشهر في وجوههم لإرغامهم على القبول بمهن شاقة في قطاعي البناء والخدمات، لا تتوفر فيها حتى الحد الأدنى من شروط الآدمية.

التحرك الأمني لم يتوقف عند حالة فردية، بل شنت الأجهزة الاستخباراتية عمليات تفتيش سرية شملت مصانع، ومستودعات، ومتاجر كبرى يُشتبه في تحولها إلى مراكز لـ ‘الصيد’ والاستغلال. المصادر تشير إلى أن التحقيقات تستهدف تفكيك شبكة منظمة تعتمد على اصطياد القاصرين غير المصحوبين فور وصولهم إلى المدينة، قبل أن يتم تحويلهم إلى ‘سخرة’ تخدم مصالح اقتصادية ضيقة.

اليوم، الملف بين يدي القضاء في مليلية، والتهم الموجهة للمقاولين ثقيلة، تتراوح بين انتهاك حقوق العمال واستغلال قاصرين في وضعية صعبة. إنها معركة قانونية وأخلاقية تضع السلطات الإسبانية أمام مرآة الحقيقة؛ فهل تنجح في حماية هؤلاء الأطفال، أم أن مليلية ستظل تربة خصبة لممارسات تعيد إنتاج العبودية في ثوب اقتصادي حديث؟