في مشهد بات يتكرر في الأسواق المغربية خلال الأيام الأخيرة، تفاجأ المواطنون بأسعار السردين التي قفزت إلى مستويات غير مألوفة، حيث لامس سعر الكيلوغرام الواحد سقف الـ 30 درهماً. هذا الرقم، الذي كان يبدو مستحيلاً لـ ‘سمك الفقراء’ كما يحلو للمغاربة تسميته، تحول اليوم إلى واقع مرير يثقل كاهل الأسر التي اعتادت على جعل السردين الخيار الأول والأكثر توازناً في مائدتها اليومية.
وراء هذه الزيادة المفاجئة، يوضح مهنيو قطاع الصيد البحري أن الأمر ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لتراجع حاد في العرض بأسواق الجملة والتقسيط. فمن جهة، فضّل عدد من أرباب مراكب الصيد التزام الموانئ وتجنب الإبحار في فترات معينة، خوفاً من تكبّد خسائر إضافية في ظل ضعف المصطادات السمكية، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى شح المادة في الأسواق.
علاوة على ذلك، يظل ‘غول’ المحروقات حاضراً بقوة في كواليس هذه الأزمة. فقد أدت تكاليف الوقود المرتفعة إلى دفع بعض الفاعلين في القطاع لتقليص رحلاتهم البحرية أو ترشيدها، ما قلل من كميات السمك المفرغة في الموانئ. هذا الاختلال في معادلة العرض والطلب، في وقت يزداد فيه الإقبال على السردين كبديل اقتصادي مقارنة بباقي أنواع الأسماك، جعل الأسعار تشتعل دون رقيب.
على الجانب الآخر من هذه المعادلة، يقف المواطن المغربي عاجزاً أمام هذا الغلاء الذي ينهش ما تبقى من قدرته الشرائية، خاصة مع موجة ارتفاع الأسعار التي شملت مواد أساسية أخرى. فالعديد من الأسر أصبحت اليوم مضطرة لتقليص استهلاكها من السمك، أو حتى البحث عن بدائل أخرى أقل تكلفة، مما يغير من عادات المغاربة الغذائية بشكل قسري.
فهل سنشهد عودة الأمور إلى نصابها؟ المهنيون يربطون انفراج الأزمة بتحسن ظروف الصيد واستقرار تكاليف الإنتاج، بانتظار أن تستعيد الأسواق توازنها الطبيعي. إلى ذلك الحين، يبقى ‘السردين’ حاضراً في نقاشات المغاربة، ليس كوجبة مغذية، بل كهمّ يومي جديد يضاف إلى قائمة الهموم المعيشية.