24 ساعة

رحيل ليونيل جوسبان.. وداع ‘مهندس التعايش’ الذي طبع التاريخ السياسي الفرنسي

أسدل الستار اليوم على حياة واحد من أبرز الوجوه التي شكلت ملامح فرنسا المعاصرة، حيث أعلنت عائلة ليونيل جوسبان، رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق، عن وفاته يوم الاثنين 23 مارس 2026، عن عمر يناهز 88 عاماً.

لم يكن جوسبان مجرد سياسي عابر في المشهد الفرنسي، بل كان رقماً صعباً وفاعلاً أساسياً في الحزب الاشتراكي منذ انضمامه إليه في أواخر عام 1971. ومنذ تلك اللحظة، صعد سلم القيادة بسرعة لافتة، ليجد نفسه قريباً جداً من العقل المدبر للحزب آنذاك، فرانسوا ميتران، قبل أن يشغل عضوية مجلس مدينة باريس في عام 1994، ممهداً الطريق نحو محطة مفصلية في حياته.

يعود بنا التاريخ إلى فترة ‘التعايش’ السياسي الشهيرة بين عامي 1997 و2002، حين تولى جوسبان رئاسة الوزراء في عهد الرئيس اليميني جاك شيراك. كانت تلك المرحلة اختباراً حقيقياً للتوازن السياسي في فرنسا، حيث تقاسم الرجلان النفوذ في الملفات الداخلية والخارجية وسط علاقة لم تكن تخلو من الشد والجذب. وخلال هذه الفترة، بصم جوسبان مسيرته بإصلاحات اجتماعية جريئة، لعل أبرزها تقليص ساعات العمل الأسبوعية وخلق مئات الآلاف من فرص الشغل، وهو ما جعله شخصية محبوبة لدى قطاعات واسعة من الفرنسيين.

لكن السياسة، كما هو معروف، لا ترحم. ففي عام 2002، تلقى جوسبان صدمة قاسية عندما خرج من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، في مفاجأة لم تكن في الحسبان أمام شيراك وزعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبان. حينها، اعترف بشجاعة نادرة بأنه أخطأ في تقدير الانقسامات داخل البيت اليساري، ليعلن بعدها انسحابه من العمل السياسي المباشر.

ورغم اعتزاله، ظل ‘الرجل الرصين’ حاضراً بآرائه ووزنه السياسي. ففي عام 2012، استنجد به الرئيس فرانسوا هولاند لرئاسة لجنة إصلاح الحياة السياسية، كما انضم إلى المجلس الدستوري الفرنسي في 2015. اليوم، ومع رحيله، يطوي المشهد السياسي الفرنسي صفحة من صفحات تاريخه التي اتسمت بالصراع الفكري والقدرة على التغيير، تاركاً خلفه إرثاً سيثير النقاش لسنوات طويلة قادمة.