في لحظة فارقة من تاريخ الجزائر المعاصر، وتحديداً في 22 فبراير 2014، فاجأت وكالة الأنباء الرسمية الرأي العام بإعلان ترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة عبر رسالة مكتوبة، في وقت كان فيه الرجل بعيداً تماماً عن الأضواء بسبب جلطة دماغية ألمّت به في أبريل 2013.
لم تكن الجلطة مجرد وعكة عابرة؛ فقد نُقل الرئيس إلى مستشفى ‘فال دو غراس’ بباريس، وعاد منها إلى الجزائر في يوليو من العام نفسه لكنه ظل حبيس وضعه الصحي الذي أثر بشكل واضح على قدرته في الحركة والتواصل. وفي تلك الأثناء، تحول المشهد الانتخابي إلى ما يشبه ‘المسرحية السياسية’؛ إذ انطلقت حملة مارس 2014 دون أن يظهر المرشح في أي تجمع أو يلقي خطاباً واحداً. وكما وصفت صحيفة ‘لوموند’ الفرنسية في تقريرها آنذاك، كانت تلك ‘حملة انتخابية بلا مرشح’، اكتفت بالصور الثابتة والرسائل المكتوبة التي تُوزع على المواطنين.
تولى عبد المالك سلال، بصفته مديراً للحملة، دفة القيادة في الميدان، مدافعاً عن حصيلة بوتفليقة وداعياً للاستقرار، بينما كان الباحث الجزائري نجيب سيدي موسى يشير بوضوح إلى أن هذه العملية كانت مجرد إكمال لمهام أجهزة الدولة وشبكاتها السياسية في ظل غياب الرئيس الفعلي. لم يعد بوتفليقة قادراً على الحضور، بل أصبحت الرسائل المكتوبة التي تبدأ بعبارة ‘بعث رئيس الجمهورية رسالة…’ هي البديل الوحيد عن الحضور المباشر.
يوم الاقتراع، في 17 أبريل 2014، كانت الصور التي نقلت بوتفليقة على كرسي متحرك كفيلة بإثارة تساؤلات حادة حول مدى قدرته على ممارسة مهامه، ومع ذلك، أعلنت النتائج الرسمية فوزه بنسبة بلغت 81.49%. هذه النتيجة قوبلت بانتقادات لاذعة من المعارضة التي قاطعت الانتخابات وتحدثت عن تزوير ممنهج، مستشهدة بوجود أكثر من 1.1 مليون صوت ملغى كرسالة احتجاج غير مباشرة.
لقد كشفت تلك المحطة الانتخابية عن أزمة أعمق؛ فالنظام السياسي لم يكن يدافع عن مرشح بقدر ما كان يدافع عن استمرارية مؤسساته في غياب بديل سياسي حقيقي. ظلت السلطة قائمة، وبقي بوتفليقة في قصر المرادية، لكن الجزائر كانت تعيش حالة فريدة من نوعها: حيث تحولت رئاسة الجمهورية إلى مؤسسة مدارة بالوكالة، في مشهد سياسي سيظل محفوراً في ذاكرة الجزائريين كأحد أكثر الفصول غموضاً في تاريخهم.