في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع المغربي، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل المثقف ودوره في إنتاج الأفكار ونقد الواقع. فقد تغيرت علاقة المجتمع بالمعرفة، خاصة مع تراجع أدوار المؤسسات التقليدية التي ظلت لعقود الملاذ الأساسي للنقاش العمومي.
يطرح هذا الواقع إشكالات حقيقية حول جدوى المثقف اليوم؛ هل لا يزال قادراً على ممارسة تأثيره الحقيقي، ومساءلة مراكز القوى، وتقديم بدائل فكرية؟ أم أن الفضاء العام أصبح مساحة مفتوحة لـ ‘المؤثرين’ على منصات التواصل الاجتماعي، الذين أعادوا تشكيل آليات التعبير ووسائل استهلاك المعرفة؟
لقد فرضت الثورة الرقمية واقعاً جديداً، حيث انتقل الفرد من الارتباط بالمصادر التقليدية كالجامعات والصحف والكتب، إلى الانغماس في تدفق المعلومات السريع. هذا التحول لم يمس فقط طرق التلقي، بل أعاد طرح أسئلة كلاسيكية بصبغة معاصرة، تتعلق باستقلالية المثقف، وموقعه من السياسة، وحدود التزامه بالقضايا الكبرى، وقدرته على الحفاظ على مسافة نقدية في ظل ضجيج المنصات الرقمية.
إن التحدي اليوم يتجاوز مجرد الحضور في الساحة، ليصل إلى جوهر المهمة الملقاة على عاتق الفاعل الثقافي في مغرب اليوم؛ حيث يبدو أن الميل العام يتجه نحو ممارسة ‘الحديث’ أكثر من ‘التأليف’، وممارسة ‘التدوين’ أكثر من ‘القراءة’. وهو ما يجعل من النقاش حول هوية المثقف ومستقبله في الفضاء الرقمي ضرورة ملحة لاستعادة بوصلة التفكير النقدي في المجتمع.