يجد اليسار المغربي نفسه اليوم أمام مرآة عاكسة لواقع معقد، لا يرحم الضعفاء تنظيماً ولا يغفر للأحزاب غيابها عن نبض الشارع. في حلقة جديدة ومثيرة من بودكاست ‘هبة’، وضع العلمي الحرودي، منسق التيار اليساري الجديد داخل الحزب الاشتراكي الموحد، النقاط على الحروف، مقدماً تشخيصاً جريئاً لحالة ‘الوهن’ التي أصابت البيت اليساري.
يرى الحرودي أن الأزمة ليست وليدة اليوم، بل هي تقاطع مرير بين تشتت تنظيمي أضعف البنيات الهيكلية، وضعف في التأطير المجتمعي جعل اليسار يفقد جزءاً كبيراً من بريقه التاريخي. لم يعد يكفي رفع شعارات العدالة الاجتماعية كرموز، بل بات المطلوب -بإلحاح- استعادة الثقة المفقودة مع المواطن، خاصة الأجيال الصاعدة التي لا تستهويها لغة ‘خشبية’ تجاوزها الزمن.
وبخصوص الحزب الاشتراكي الموحد، لا يخفي ضيف ‘هبة’ أن حزبه يواجه تحديات مصيرية. فالبقاء في منطقة ‘الاحتجاج الرمزي’ لم يعد كافياً، بل يجب الانتقال إلى بناء جبهة يسارية ديمقراطية قادرة على التأثير في موازين القوى. أما حين ننتقل إلى الملفات الاقتصادية والاجتماعية، فإن الصورة التي رسمها الحرودي تبدو قاتمة؛ حيث تتسع الفوارق الاجتماعية وتتزايد الهشاشة وسط سياسات عمومية يتهمها بكونها تفتقر للعدالة المجالية، وتغفل احتياجات الفئات الأكثر تضرراً.
وفي قراءته لحراك الشارع، يضع الحرودي إصبعه على الجرح: الاحتجاجات هي صرخة ناتجة عن أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسات. فغياب الوسطاء السياسيين الأقوياء يدفع الناس للشارع كوسيلة وحيدة للتعبير، وهو ما يستدعي صياغة مشروع إصلاحي ديمقراطي يحمي الاستقرار ويوسع هوامش الحريات في آن واحد.
ختاماً، لا ينكر الحرودي وجود مكاسب حقوقية تراكمت عبر العقود، لكنه يحذر من ‘ردة’ في مجالات التعبير والعمل السياسي. فاستقلالية القضاء وتكريس سيادة القانون ليسا ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة لاستعادة اليسار لدوره كقوة اقتراحية فاعلة. فهل ينجح اليسار في تحويل هذا النقد الذاتي إلى فعل سياسي ملموس؟ الأيام وحدها ستجيب، لكن البداية تكمن في الجرأة على الاعتراف بالواقع، كما فعل الحرودي في حلقته مع ‘هبة بريس’.
لمتابعة الحوار الكامل وتفاصيل الرؤية التي قدمها العلمي الحرودي، يمكنكم مشاهدة الحلقة عبر الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=CVi-h_PTzsY