لم تكن مدينة الناظور، في قلب الريف المغربي، مجرد محطة عابرة في خارطة المهرجانات الفنية مؤخراً، بل تحولت إلى فضاء فكري رحب احتضن ندوة علمية رفيعة المستوى، خُصصت للاحتفاء بالمنجز الثقافي والنقدي لأحد أبرز قامات الفكر المغربي، الدكتور جميل حمداوي. هذا اللقاء، الذي شهد تتويج حمداوي كـ ‘عريس’ للدورة الثانية للمهرجان الدولي للمسرح، جمع نخبة من الباحثين والنقاد الذين غاصوا في عوالم تجربة إبداعية استثنائية اتسمت بالتنوع والعمق.
الندوة التي أدار دفتها الباحث محمد أمحور، لم تكن مجرد بروتوكول تكريمي، بل تحولت إلى ورشة نقدية شارك فيها كل من الناقد عيسى الداودي، والكاتب عبد الواحد عرجوني، والكاتب محمد حمداوي. أجمع المتدخلون على أننا أمام شخصية ‘موسوعية’ بامتياز؛ فرجل بقيمة جميل حمداوي لم يكتفِ بالتنظير للمسرح المغربي والأمازيغي فحسب، بل مد جسوره نحو التوثيق والتأريخ، فضلاً عن إسهاماته الوازنة في علوم اللغويات، والتربية، والكتابة الديداكتيكية، مما يجعله مرجعاً لا غنى عنه للأجيال الصاعدة.
وفي قراءة فاحصة لمساره، توقف المشاركون عند ‘الريادة العلمية’ للمحتفى به، بصفته من أوائل الذين أسسوا لكتابة رصينة حول المسرح الأمازيغي، وهو ما ساهم بشكل مباشر في صيانة ذاكرة هذا الفن بمنطقة الريف وشمال المملكة. ولم يقف عطاء حمداوي عند حدود التقليد، بل تميز بـ ‘جسارة معرفية’ في تطويع المناهج النقدية الحديثة، مثل ‘القصة القصيرة جداً’ والسيميائيات، مع اهتمام لافت بالاتجاهات المعاصرة كالمسرح الإسلامي، مما يعكس دور الأكاديمي داخل الجامعة في ربط النص بسياقه الركحي وتفاعله مع الجمهور.
ولغة الأرقام كانت حاضرة بقوة في هذه الندوة؛ حيث كشفت قراءة إحصائية وتحليلية عن حجم الإنتاج الضخم لحمداوي، والذي يتوزع بين عشرات الكتب ومئات المقالات التي نُشرت في منصات عربية وعالمية مرموقة مثل ‘ديوان العرب’ و’المثقف’. هذا التراكم المعرفي، الذي يتراوح ما بين 500 وأكثر من 1600 مقال، يغطي مجالات نقدية شاسعة تشمل البيبليوغرافيا، والبيداغوجيا، ومسرح الطفل، وصولاً إلى أدق تفاصيل السينوغرافيا من إضاءة وديكور وأزياء وموسيقى.
واختتمت الندوة بتأكيد الحاضرين على أن تجربة جميل حمداوي هي بمثابة ‘أرشيف حي’ وانفتاح واعي على التجارب المسرحية المغاربية والعالمية. لقد كانت لحظة وفاء بامتياز، أعادت الاعتبار للبحث المسرحي الأكاديمي، وجعلت من الناظور منارة تشع فكراً ونقداً، مكرسةً حضور النقد في قلب المشهد الثقافي الوطني.