في مشهد دولي يتغير بسرعة البرق، تبدو الساحة الدبلوماسية الجزائرية اليوم وكأنها تقف على أرضية مهتزة. فبعد عقود من التحالفات التي صاغتها “حقبة الحرب الباردة”، يجد قصر المرادية نفسه وحيداً أمام واقع جديد، حيث يتساقط حلفاؤه واحداً تلو الآخر في خضم تحولات جيوسياسية عميقة.
لم تعد الصورة كما كانت؛ فمع سقوط النظام السوري أواخر 2024، تلتها الإطاحة بالرئيس الفنزويلي مطلع 2026، ثم رحيل المرشد الأعلى للثورة في إيران أواخر فبراير من العام نفسه، باتت الجبهة التي طالما راهنت عليها الجزائر تتقلص بشكل دراماتيكي. واليوم، يبدو أن الدور قد جاء على كوبا، التي وصفتها واشنطن، على لسان الرئيس دونالد ترامب خلال افتتاح مناورات “درع الأمريكيتين”، بأنها تعيش “لحظاتها الأخيرة”.
ترامب، بأسلوبه المباشر، لم يترك مجالاً للتأويل، مؤكداً أن تغييرات كبرى ستطال الدولة الشيوعية الكاريبية فور انتهاء المواجهة مع إيران. هذا التصريح يضع الدبلوماسية الجزائرية في زاوية ضيقة جداً؛ فهي التي وجدت نفسها مضطرة سابقاً لطي صفحة سوريا، باتت الآن عاجزة حتى عن انتقاد الخطوات الأمريكية في فنزويلا أو إيران، متخذة صمتاً حذراً يعكس حجم الحرج الاستراتيجي الذي تعيشه.
إن هذا الانحسار في دائرة الحلفاء، الذي يمتد ليشمل جبهة “البوليساريو”، يكرس عزلة غير مسبوقة للجزائر على الساحة الدولية. وفي وقت تشتد فيه الضغوط، تبرز تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان الجار الشرقي للمملكة سيظل متمسكاً بمواقف ورثها عن زمن ولى، أم سيضطر أخيراً إلى مراجعة حساباته في عالم لا يعترف إلا بموازين القوى الواقعية.
تأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتواصل الجهود الأممية لتنزيل القرار 2797 بشأن نزاع الصحراء المغربية، في إطار سيادة الحكم الذاتي. ومع تآكل المحور التقليدي الداعم لأطروحاتها، يجد القائمون على السياسة الخارجية في الجزائر أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في السباحة عكس التيار، أو البدء في “براغماتية” جديدة تفرضها التحولات العالمية المتسارعة، والتي يبدو أنها لا تترك مكاناً لـ “الأيديولوجيات القديمة” في خريطة المصالح الدولية الجديدة.