في لحظة فارقة قد تغير مسار النقاش التاريخي بين مدريد ومستعمراتها السابقة، أقدم العاهل الإسباني، الملك فيليبي السادس، على خطوة نادرة بإقراره بحدوث ‘تجاوزات’ خلال الحقبة الاستعمارية لبلاده. خطاب الملك فتح باباً واسعاً على مصراعيه لنقاشات ظلت طي الكتمان لسنوات، حول المسؤولية الأخلاقية للدول تجاه ماضيها الاستعماري المليء بالندوب.
ورغم أن تركيز الخطاب انصب بالأساس على القارة الأمريكية، إلا أن أصداءه لم تكن أقل حدة في الجانب الآخر من المتوسط. ففي المغرب، أعاد هذا الاعتراف ‘الأخلاقي’ إحياء ملفات ظلت عالقة في الذاكرة الجمعية، خاصة تلك المرتبطة بالحقبة الاستعمارية في منطقة الريف، وما تخللها من استخدام أسلحة محرمة وانتهاكات جسيمة، فضلاً عن تداعيات الوجود الاستعماري في الصحراء. ورغم غياب كلمة ‘الاعتذار الرسمي’ التي قد تفتح باب التعويضات، يرى المراقبون أن هذا الموقف يظل ‘اعترافاً وجدانياً’ بامتياز، يبتعد عن أي التزام قانوني أو سياسي قد يورط إسبانيا في مطالبات دولية.
وهنا يبرز السؤال الملح: هل يتحول هذا التحول الرمزي إلى مقدمة لمراجعات أعمق في العلاقات المغربية-الإسبانية؟ وهل يمكن لهذا الانفتاح أن يمتد يوماً ليشمل ملفات حساسة جداً، كوضع مدينتي سبتة ومليلية؟ المغرب، الذي يعتبر المدينتين جزءاً لا يتجزأ من ترابه الوطني، يتعامل مع الملف ببرود دبلوماسي استراتيجي، مؤجلاً الحسم فيه إلى حين توفر توازنات دولية أكثر ملاءمة. ويجمع المحللون على أن الانتقال من مجرد ‘اعتراف أخلاقي’ إلى ‘مراجعة سياسية’ يصطدم بجدران صلبة، تتمثل في ارتهان وضع المدينتين لسيادة إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، مما يجعل الملف أبعد من كونه مجرد علاقة ثنائية بسيطة.
بين مطرقة السياسة وسندان الذاكرة التاريخية، تظل مطالب الاعتذار عما جرى في الريف خلال العشرينيات من القرن الماضي حاضرة بقوة في النقاش العام. ومع تزايد الأصوات العالمية المطالبة بفتح أرشيفات الاستعمار، يبدو أن خطاب الملك فيليبي السادس ليس سوى خطوة أولى في طريق طويل ومعقد. إنها بداية لمسار لا تزال فيه الإرادة السياسية تصارع ثقل الجغرافيا والتاريخ، بانتظار اللحظة المناسبة التي قد تلتقي فيها المصالح الحالية مع متطلبات العدالة التاريخية.