24 ساعة

استراتيجية ‘الأطواق’.. كيف يعيد المغرب رسم موازين القوى البحرية في المتوسط؟

لم يعد المغرب يكتفي اليوم باستغلال موقعه الجغرافي كمعبر تقليدي للبضائع، بل انتقل إلى مرحلة ‘فرض الواقع’ في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم: مضيق جبل طارق. دراسة حديثة صادرة عن جامعة نافارا الإسبانية كشفت النقاب عن رؤية مغربية متكاملة تتجاوز منطق التجارة الصرف، لترسم معالم استراتيجية جيوسياسية توصف بـ ‘استراتيجية الأطواق’.

ووفقاً للباحث ميغيل أييرا، فإن الرباط تراهن على تطوير محورين بحريين متكاملين؛ ميناء طنجة المتوسط على الواجهة الغربية، ومشروع ‘الناظور غرب المتوسط’ شرقاً. هذا التحرك ليس مجرد استثمار اقتصادي عابر، بل هو تحول عميق يهدف إلى تعزيز الثقل المغربي في معادلات الطاقة والتجارة والأمن البحري.

طنجة المتوسط، الذي تربّع على عرش الموانئ الأفريقية، بات اليوم حقيقة يفرض احترامها. فبعد أن سجل مناولة أكثر من 10 ملايين حاوية خلال عام 2024، استطاع الميناء أن يتفوق على نظيره الإسباني ‘الجزيرة الخضراء’، ليس فقط في حجم الحركة التجارية، بل في فرض قواعد جديدة للعبة تقوم على السرعة، الكفاءة، والتكلفة التنافسية. هذا التفوق المغربي وضع المدينتين المحتلتين، سبتة ومليلية، أمام تحديات وجودية؛ حيث لم يعد التنافس اقتصادياً فقط، بل بات وظيفياً واستراتيجياً، مما جعل هذه المدن أكثر ارتباطاً بالخدمات والبنية التحتية المغربية.

وتلعب القوانين الأوروبية الجديدة، مثل نظام ‘EU ETS’ الذي يفرض تكاليف إضافية على السفن الراسية في الموانئ الأوروبية، لصالح المغرب بشكل غير مباشر؛ إذ بات الفاعلون البحريون يفضلون الموانئ المغربية كبديل أكثر جاذبية وأقل تكلفة.

وعلى الجانب الشرقي، يبرز مشروع ‘الناظور غرب المتوسط’ كحلقة وصل استراتيجية لا تقل أهمية، حيث يرتقب أن يدخل الخدمة بين عامي 2026 و2027، بطاقة استيعابية تصل إلى 5.5 مليون حاوية، مع طموح واضح لتحويل المنطقة إلى مركز إقليمي للغاز الطبيعي.

إن هذه الخطوات تعكس رغبة الرباط في التحول من ‘نقطة عبور’ إلى لاعب إقليمي محوري في سلاسل التوريد العالمية. وبهدوء كبير، يعيد المغرب رسم خرائط التوازنات في غرب المتوسط، مؤكداً أن الجغرافيا لا تعطي قيمتها إلا لمن يحسن استثمارها وتطويعها لخدمة رؤيته الاستراتيجية بعيدة المدى.