مشهد سريالي بامتياز ذلك الذي تعيشه إيران هذه الأيام، حيث يختلط فيه صدى الخطابات الدبلوماسية بضجيج الصواريخ. في صباح يوم السبت، استيقظ العالم على نبرة هادئة غير معتادة من الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الذي قدم اعتذاراً رسمياً باسم بلاده لدول الجوار، مؤكداً وقف أي استهداف لها. لكن، وقبل أن تغرب شمس ذلك اليوم، انقلبت الآية رأساً على عقب، لتتحول وعود التهدئة إلى غارات جوية مكثفة هزت سكون العواصم الخليجية.
هذا التناقض الصارخ يطرح سؤالاً جوهرياً يتردد صداه في أروقة السياسة الدولية: من يمسك بزمام القرار في طهران؟ الرئيس، الذي أعلن عبر التلفزيون الرسمي أن مجلس القيادة المؤقت قرر عدم توجيه صواريخ نحو دول الجوار إلا في حالة الدفاع عن النفس، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الحرس الثوري الذي يبدو وكأنه يعمل في “دولة موازية” لا تخضع لأجندة السلطة التنفيذية.
وكالات الأنباء الدولية، ومن بينها رويترز، لم تكن بعيدة عن الكواليس؛ فقد أشارت مصادر مطلعة إلى أن اعتذار بزشكيان لم يرق لـ “صقور” الحرس الثوري وقادته، الذين اعتبروه تراجعاً لا يتماشى مع استراتيجيتهم العسكرية. وما هي إلا ساعات حتى بدأت أنظمة الدفاع الجوي في قطر، والكويت، والإمارات، والأردن، والبحرين، في رصد سيل من المسيرات والصواريخ الباليستية.
الأرقام كانت مفزعة، ففي البحرين وحدها، أعلنت القيادة العامة لقوة الدفاع اعتراض وتدمير 86 صاروخاً و148 طائرة مسيرة. وفي السعودية، تعاملت وزارة الدفاع مع تهديدات استهدفت قاعدة الأمير سلطان الجوية وحقل “شيبة” النفطي. أما في دبي، فقد امتدت آثار هذا الصراع إلى أرواح المدنيين، حيث تسببت شظايا اعتراض جوي في مقتل مقيم آسيوي بحي البرشا.
بينما تحاول الكويت تأكيد جاهزيتها للتصدي لأي خرق، وتعلن الدوحة عن اعتراضها لهجوم صاروخي، يتضح بجلاء أن الهوة بين التوجهات السياسية لـ “بزشكيان” والنزعات العسكرية للحرس الثوري أصبحت أعمق من أن تُرأب. إننا أمام مشهد إيراني مضطرب، حيث تغرد الحكومة في واد، وتمارس الأجهزة الأمنية والعسكرية سياساتها الخاصة في واد آخر، مما يجعل الاستقرار الإقليمي رهينة لهذا التخبط في مراكز القوى بطهران.