تواجه السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي اختباراً حقيقياً يكشف هشاشة مواقفها أمام التحديات الدولية، خاصة حينما يتعلق الأمر بالقرارات الاستراتيجية التي تمليها واشنطن. وفي هذا المشهد، تبرز إسبانيا كقوة متمردة على هذا النمط التقليدي، ساعية إلى صياغة سياسة قائمة على المصالح الأوروبية والالتزام بمبادئ القانون الدولي.
تجلت هذه المواجهة في مارس 2026، عندما رفضت مدريد استخدام قواعدها العسكرية في العمليات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وأكد رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، أن القضية تتعلق بالانحياز للسلام والشرعية الدولية، محذراً من أن الرد على أي تجاوز قانوني لا يمكن أن يكون بتجاوز آخر.
بدأ هذا التحول منذ مايو 2024، حين اعترفت إسبانيا بدولة فلسطين، ثم انضمت إلى دعوى الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، وفرضت حظراً على توريد الأسلحة. هذه الخطوات لم تكن مجرد مواقف عابرة، بل كانت تعبيراً عن رفض إسبانيا لسياسة الكيل بمكيالين، حيث تطالب أوروبا باحترام القانون في أوكرانيا بينما تتغاضى عن انتهاكاته في قطاع غزة.
هذا التوجه الإسباني أثار حفيظة واشنطن، وواجه انتقادات لاذعة من دونالد ترامب الذي وصف إسبانيا بحليف غير موثوق في حلف الناتو، مهدداً بعواقب اقتصادية. ومع ذلك، تجد مدريد دعماً داخلياً لافتاً، حيث يرى مراقبون أن سانشيز يبني هوية سياسية أوروبية تعتمد على الاستقلالية، في وقت تعاني فيه عواصم أوروبية أخرى من ضغوط تمنعها من اتخاذ مواقف مماثلة.
تطرح هذه المواجهة تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاتحاد الأوروبي: هل يمكن لأوروبا أن تبني سياسة خارجية مستقلة مع بقائها حليفاً وثيقاً لواشنطن؟ وهل تعد الاستقلالية الاستراتيجية مجرد شعار أم خياراً قابلاً للتنفيذ؟ لقد وضعت إسبانيا هذه الأسئلة في قلب النقاش الأوروبي، فارضة واقعاً جديداً لا يمكن تجاهله.