24 ساعة

مافيا العقارات بالمغرب: استنزاف مليارات الدراهم والفاتورة على حساب خزينة الدولة

لم يعد ملف العقار في المغرب مجرد أزمة مرتبطة بارتفاع أسعار الشقق أو صعوبة الحصول على سكن لائق، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة معقدة تضج بالاقتصاد الموازي. هذه السوق ‘الخفية’ لا تعمل بعشوائية، بل بمنطق مدروس يستغل الثغرات القانونية وبطء المساطر الإدارية، ليتحول إلى آلة ضخمة لجمع الأرباح على حساب الدولة والمواطن البسيط.

تتكرر القصة في العديد من المناطق شبه الحضرية كسيناريو يومي؛ وسطاء يعرضون بقعاً أرضية بأسعار مغرية، مع وعود ‘تحت الطاولة’ بتسوية الوضعية القانونية لاحقاً. يندفع المواطن للبناء بسرعة مستغلاً ضعف المراقبة أو تأخر وثائق التعمير، ليجد نفسه أمام ‘أمر واقع’ يصعب تغييره. وعندما تتحرك السلطات لتطبيق القانون، نصطدم بوجع آخر: تكلفة الهدم.

فعمليات الهدم التي أصبحت مشهداً مألوفاً، تكلف خزينة الدولة مبالغ طائلة تتراوح بين 50 ألفاً و200 ألف درهم للعملية الواحدة، تشمل تعبئة القوات العمومية، الجرافات، واللوجستيك. نحن نتحدث عن ملايين الدراهم التي تضيع سنوياً، دون احتساب الضريبة الاجتماعية المتمثلة في الاحتقان والغضب الذي يرافق هذه العمليات، حيث يرى المواطن أن ‘شقى العمر’ ينهار تحت آلات الهدم.

اللافت في هذا الملف هو تداخل المسؤوليات؛ فبين سماسرة يقتنصون الفرص، ومنتخبين يُتهم بعضهم بغض الطرف لأغراض انتخابية، وموظفين يتساهلون في المراقبة، يظل المستفيد الأكبر هو تلك الشبكات التي راكمت المليارات. حتى بعض المنعشين العقاريين، الذين استفادوا من برامج السكن الاجتماعي بإعفاءات ضريبية وأراضي شبه مجانية، ساهموا في تضخيم هوامش ربحهم على حساب الجودة والمستفيد النهائي.

إن تقديرات غير رسمية تشير إلى أن المليارات تضيع على الخزينة العامة سنوياً بسبب هذا الاقتصاد الموازي، الذي لا يكتفي بالتهرب الضريبي، بل يفرض على الدولة تكاليف إضافية لتأهيل هذه الأحياء ‘العشوائية’ وتزويدها بالبنية التحتية.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بكل إلحاح: إلى متى سيظل هذا النظام يقتات على ثغرات تدبيرنا الترابي؟ إن الحل لا يكمن فقط في الهدم، بل في سد المنافذ التي تحول وثائق التعمير إلى أداة للمضاربة، وحماية حقوق المواطنين قبل أن يجدوا أنفسهم ضحايا لشبكات تبني ثرواتها على أنقاض القانون ومصالح الدولة.