24 ساعة

قمع أصوات المفقودين في الجزائر.. حينما يتحول ‘الماضي الأليم’ إلى ورقة ضغط

في خطوة أعادت فتح جراح قديمة، أقدمت السلطات الجزائرية مؤخراً على إغلاق وتشميع مقر الجمعية المدافعة عن حقوق عائلات المفقودين قسرياً. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل هو رسالة واضحة لكل من يحاول نبش ‘ذاكرة الألم’ التي تفضل السلطة إبقاءها طي النسيان، بعيداً عن أضواء الحقيقة والمساءلة.

إن معاناة هذه العائلات ليست وليدة اليوم، بل هي رحلة بحث مضنية عن ذويهم الذين اختفوا في ظروف غامضة، لسنوات طويلة. وبدلاً من أن تفتح الدولة أبواب الحوار والإنصاف، اختارت أسلوب التضييق؛ فمن منع رئيسة الجمعية من دخول البلاد، رغم أنها مواطنة جزائرية، إلى إغلاق المقر، يتضح جلياً أن هناك رغبة في خنق الأصوات التي تذكر النظام بمسؤولياته التاريخية.

المثير للاستغراب هو هذا التناقض الصارخ في الخطاب الرسمي الجزائري؛ فبينما يطالب النظام في المحافل الدولية باعتذارات عن حقب استعمارية غابرة، يقف حائط صد منيع أمام المطالب العادلة لمواطنيه في الداخل. أليس من باب أولى أن تكون العدالة الانتقالية والاعتراف بالخطأ هما المبدأ الذي تُبنى عليه شرعية الدولة قبل توجيه أصابع الاتهام للخارج؟

إن ملف الاختفاء القسري لا يسقط بالتقادم، فهو جرح غائر في الذاكرة الجمعية الجزائرية لن يلتئم بالمنع أو التجاهل. إن التعامل مع هذه الملفات بـ’سياسة النعامة’ لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين المواطن والدولة. فبدلاً من الهروب إلى الأمام، كان حرياً بالجزائر تبني مقاربة شجاعة تعتمد على الشفافية وكشف الحقائق، لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.

اليوم، يجد المراقبون أنفسهم أمام سؤال محوري: هل تراهن الجزائر على الزمن لمحو أثر الضحايا؟ أم أن هناك فرصة أخيرة لإحداث تصالح حقيقي ينصف الضحايا ويصون كرامة الإنسان؟ الإجابة على هذا التساؤل هي التي ستحدد في نهاية المطاف مدى مصداقية خطاب حقوق الإنسان الذي تتبناه الدولة، وما إذا كانت تسعى فعلاً لبناء مستقبل قائم على العدل أم أنها لا تزال أسيرة لأساليب الماضي.