بينما تراهن المدن المغربية اليوم على التكنولوجيا الحديثة ونظم الري بالتنقيط لمواجهة تحديات الإجهاد المائي، تبدو مدينة عين حرودة وكأنها تغرد خارج السرب. فقد صدم سكان المدينة والفاعلون المحليون بقرار الاعتماد على الشاحنات الصهريجية لسقي المساحات الخضراء الجديدة، في مشهد يصفه المتابعون بأنه عودة إلى ‘العصور الوسطى’ في تدبير الموارد المائية.
هذا الحل، الذي يبدو للوهلة الأولى كإجراء طارئ، تحول إلى أسلوب عمل مستمر يثير الكثير من الاستياء. فاستخدام الشاحنات ليس فقط مكلفاً من حيث استهلاك الوقود الذي يثقل كاهل ميزانية الجماعة، بل هو أيضاً دليل على غياب رؤية استراتيجية واضحة في التخطيط العمراني والبيئي. فبدل الاستثمار في شبكات ري ذكية ومستدامة، تختار الجماعة حلاً يستهلك المال والماء في آن واحد.
ويرى مراقبون أن أصل المشكلة يكمن في ‘العشوائية’ التي طبعت إحداث هذه المساحات الخضراء منذ البداية. إذ تمت العملية دون دراسات مسبقة لاحتياجات الري أو لطبيعة الموارد المائية المتاحة، مما حول هذه الفضاءات التي كان يفترض أن تكون متنفساً للمواطنين إلى عبء مالي وبيئي. إنها معادلة صعبة؛ فبدلاً من إضافة قيمة جمالية وبيئية للمدينة، أصبحت هذه المشاريع تكرس هدر المال العام في ظل ظرفية وطنية دقيقة تتطلب ترشيد كل قطرة ماء.
هذا الوضع يعيد إلى الواجهة نقاش ‘الحكامة’ داخل مجلس جماعة عين حرودة. فأين هي لجان التتبع؟ وأين مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ إن غياب الرقابة الفعالة جعل من هذه القرارات الارتجالية أمراً واقعاً يواجهه السكان يومياً. واليوم، ترتفع أصوات فعاليات المجتمع المدني مطالبةً السلطات الوصية بالتدخل العاجل لتقييم هذه المشاريع ووقف هذا النزيف المالي، مع التشديد على ضرورة تبني حلول عصرية تتماشى مع التحديات المناخية الراهنة وتضمن الحفاظ على الموارد للأجيال القادمة.