في قلب مدينة وجدة، وبالضبط داخل أسوار ‘دار المسنين’، لم يمر عيد الأضحى كأي يوم عادي، بل حمل معه فيضاً من المشاعر الإنسانية التي جسدت أسمى قيم التكافل الاجتماعي المغربي. في مشهد يبعث على الارتياح، عاش نزلاء الدار لحظات استثنائية طغت عليها أجواء العائلة واللمة التي يفتقدها الكثيرون في مثل هذه المناسبات الدينية العظيمة.
الزيارة التي قام بها السيد محمد العطفاوي، والي جهة الشرق وعامل عمالة وجدة أنجاد، لم تكن مجرد بروتوكول رسمي، بل كانت رسالة محبة وتقدير لهذه الفئة العزيزة. وبحضور العلامة مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي الجهوي، إلى جانب سلطات قضائية وعسكرية، تحولت ساحة الدار إلى فضاء يعج بالحياة، حيث اختلطت رائحة البخور والقهوة المغربية بضحكات المسنين ودعواتهم الصادقة، في محاولة جادة لترميم شروخ العزلة واستعادة روح العائلة المفقودة.
ولم تخلُ زوايا الدار من مشاهد مؤثرة تختصر سنوات طويلة من العمر؛ فهناك عيونٌ ترقب الباب لعل ابناً أو حفيداً يطل ليعيد نبض الماضي ولو للحظة، وهناك من وجد في رفاق ‘دار المسنين’ عائلة بديلة تتقاسم معه مرارة الغياب وحلاوة الرفقة. ومع ذلك، نجحت هذه اللمة في كسر حدة الوحدة، وتحولت الجلسات الجماعية حول موائد الشاي والحلويات التقليدية إلى فرصة لاسترجاع حكايات الأعياد الغابرة، حين كانت البيوت تضج بحركة الأطفال وصخب الحياة.
وعلى الجانب التنظيمي، أبان المجتمع المدني الوجدي عن كرمه المعهود؛ حيث سهرت الجمعية الخيرية الإسلامية بوجدة على توفير كافة الظروف لمرور العيد في أحسن حال. ومن خلال توفير نحو 44 أضحية وُزعت على خمس مؤسسات للرعاية الاجتماعية تابعة للجمعية، تمكن النزلاء من عيش تفاصيل طقس ‘النحر’ وعيش أجواء العيد بكل حذافيرها، تماماً كما لو كانوا في بيوتهم، وهي التفاتة كريمة تؤكد أن التضامن في وجدة يتجاوز الدعم المادي والملموس ليشمل الاحتضان النفسي والمعنوي.
إن ما شهدته دار المسنين بوجدة هو رسالة صامتة ومؤثرة في آن واحد؛ تذكرنا بأن أمهاتنا وآباءنا في هذه الدور لا يحتاجون فقط للمأوى والملبس، بل يتوقون ليد حانية تمسح عنهم غبار الوحدة، وإلى حضور دافئ يجعلهم يشعرون بأنهم ما زالوا في قلب المجتمع. فالعيد، في جوهره الأصيل، يبقى مناسبة لتجديد صلة الرحم وإحياء قيم الرحمة والوفاء التي تميز الهوية المغربية.