في خطوة قضائية هزت الأوساط الاقتصادية والقانونية في فرنسا، أصدر القضاء الباريسي يوم الاثنين حكماً يدين شركة ‘لافارج’ المتخصصة في صناعة الإسمنت، بتهمة تورط فرعها السوري في تمويل أنشطة إرهابية وانتهاك العقوبات الأوروبية المعمول بها.
لم يتوقف الحكم عند الشركة الأم، بل طال ثمانية من كبار مسؤوليها السابقين الذين وجدوا أنفسهم مدانين بتمويل الإرهاب، بعد أن كشفت التحقيقات أنهم غضوا الطرف عن القوانين لضمان استمرار عمل مصنع الشركة في شمال سوريا خلال أتون الحرب الدائرة هناك. القصة بدأت تتكشف خيوطها حينما أثبتت المحكمة أن الشركة دفعت مبالغ طائلة وصلت إلى 5.593 مليون يورو -أي ما يعادل حوالي 6.53 مليون دولار- كإتاوات لجماعات متطرفة، على رأسها تنظيم ‘داعش’ و’جبهة النصرة’ المرتبطة بالقاعدة.
هذه المبالغ دفعت خلال فترة زمنية حرجة امتدت من عام 2013 إلى سبتمبر 2014، وهي الفترة التي كانت فيها هذه التنظيمات تفرض قبضتها على مناطق واسعة في سوريا. ورغم أن الاتحاد الأوروبي يصنف هذه الجماعات ككيانات إرهابية بامتياز، إلا أن لافارج اختارت، وفق منطق الربح السريع، التعامل معهم لضمان استمرارية إنتاجها في المنطقة المشتعلة.
هذا الحكم يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات أخلاقية حول المسؤولية الاجتماعية للشركات العابرة للقارات، وكيف يمكن للرغبة في الحفاظ على المصالح التجارية أن تتجاوز الخطوط الحمراء لتصل إلى تمويل الإرهاب بشكل مباشر. إنها بلا شك لحظة فارقة تؤكد أن العدالة، وإن تأخرت، لا بد أن تلاحق المتورطين حتى لو كانوا خلف أسوار الشركات الكبرى، لتكون عبرة لمن يسعى لتحقيق الربح على حساب استقرار الشعوب وأمنها.