في الوقت الذي كان فيه الرئيس دونالد ترامب يصدر أوامره بشن ضربات عسكرية في الخارج، كان منشغلاً في الداخل بجمع التبرعات في منتجع مارالاجو، حيث وصل سعر التذكرة الواحدة للجلوس معه إلى مليون دولار. هذا المشهد ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو انعكاس لواقع جديد تداخلت فيه السياسة مع التجارة بشكل غير مسبوق، وأصبح فيه الوصول إلى أصحاب القرار سلعة تُباع وتُشترى.
لا يتوقف الأمر عند التبرعات السياسية؛ بل امتد ليصل إلى جيوب عائلة ترامب مباشرة، خاصة مع الكشف عن استثماراتهم في العملات الرقمية التي تثير الكثير من التساؤلات. فالبيانات تشير إلى أن لجنة ‘MAGA, Inc’ جمعت أكثر من 300 مليون دولار منذ انتخابات 2024، وهو رقم قياسي يتجاوز بمرات ما جمعه أسلافه. والمثير للقلق هو مصدر هذه الأموال؛ إذ تتدفق من قطاعات الطاقة والعملات الرقمية، وحتى من أشخاص ينتظرون عقوداً حكومية ضخمة أو عفواً رئاسياً.
إن الأرقام تتحدث عن نفسها؛ حيث تشير تقارير إعلامية إلى أن ثروة ترامب وعائلته نمت بمليارات الدولارات خلال فترة وجوده في السلطة، في ظاهرة تثير مخاوف حقيقية من استغلال النفوذ لتحقيق أرباح شخصية. وما يزيد الطين بلة هو التداخل مع مصالح أطراف أجنبية، كما حدث في قضية الملياردير الصيني جاستن صن أو صفقات التكنولوجيا الحساسة مع مسؤولين من الإمارات، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول أمن الدولة واستقلال القرار الوطني.
لكن، وبكل موضوعية، لا يقتصر هذا الداء على طرف سياسي واحد أو رئيس بعينه. فالتاريخ السياسي الأمريكي مليء بمحاولات المانحين الكبار التأثير على السياسات العامة، وما نشهده اليوم هو تتويج لمسار طويل من قرارات قضائية -أبرزها ‘سيتيزنز يونايتد’- التي فككت القيود المالية على الحملات الانتخابية. حتى الكونغرس لا ينجو من هذه الاتهامات، مع استمرار الجدل حول تداول أعضائه للأسهم بناءً على معلومات داخلية.
إن الديمقراطية لا يمكن أن تستمر في ظل هذا المزيج المسموم من الثروة والسلطة. نحن أمام حاجة ماسة لإصلاحات دستورية تعيد للعملية السياسية نزاهتها، بدءاً من وضع سقف حقيقي للتبرعات، ومنع السياسيين من التكسب من تداول الأسهم، وتقييد صلاحيات العفو الرئاسي لضمان عدم استخدامها كمكافآت سياسية.
لقد فقد الكثير من الأمريكيين الثقة في نظامهم السياسي، وما دامت هذه الممارسات مستمرة، فإن هذا الشعور بالخيبة سيتفاقم. إن التاريخ يخبرنا بأن كل دورة من الفساد أعقبها في النهاية حراك إصلاحي؛ واليوم، يبدو أن الولايات المتحدة بحاجة ماسة ومبكرة لهذه الجولة الجديدة من الإصلاح الجذري قبل أن تبتلع المصالح الشخصية ما تبقى من ثقة المواطن في مؤسساته.