24 ساعة

‘رحلة العمر’ تنطلق من مليلية.. دموع و’حليب وتمر’ في وداع ضيوف الرحمن نحو الديار المقدسة

بينما كانت خيوط الشمس الأولى تداعب أسوار مليلية المحتلة، استيقظت الجالية المسلمة صباح هذا الإثنين على إيقاع ليس ككل الإيقاعات؛ إنه نداء ‘رحلة العمر’ الذي يشد القلوب قبل الأبدان نحو بيت الله الحرام. في مشهد مهيب يفيض بالإيمان، عاشت المدينة أجواء روحانية استثنائية، حيث انطلقت أولى خطوات الحجاج في موكب لم يكن مجرد مغادرة عادية، بل تظاهرة دينية وشعبية كبرى تختزل قيم الوفاء والهوية التي دأبت المدينة على التزين بها كل عام.

في تمام السابعة والنصف صباحاً، كان ‘مسجد تيسوريو’ شاهداً على لحظات فارقة في حياة هؤلاء الحجاج؛ هناك حيث امتزجت دموع الفرح بدعوات القبول، وتحول المسجد إلى خلية نحل تعج بضيوف الرحمن المحاطين بذويهم وأحبائهم في وداع مؤثر يحرك الوجدان. من محراب الصلاة، انتقلت القافلة في موكب بهيج نحو منزل الحاج ‘عمر دودو الفونتي’، الشخصية التي باتت أيقونة ورمزاً لهذه الرحلة المقدسة بالمنطقة.

وكما تملي التقاليد المليلية الأصيلة التي تأبى الاندثار رغم تقلبات الزمن، فُتحت الأبواب على مصراعيها لاستقبال ضيوف الرحمن بالحليب والتمر، في طقوس تعكس كرم الضيافة المغربية المتجذرة. لم تكن هذه اللحظات مجرد بروتوكول، بل هي تجسيد حي لعمق الروابط التي تجمع مسلمي الثغرين المحتلين بمقدساتهم.

هذا العام، تكتسي الرحلة صبغة تاريخية ووجدانية خاصة، فهي تتوج 38 عاماً من العطاء والخدمة المستمرة التي قدمها الحاج عمر دودو. ثمانية وثلاثون عاماً ارتبط فيها اسمه بمواسم الحج في مليلية وسبتة، حتى تحول الرجل من مجرد منظم إلى رفيق درب وسند لآلاف الحجاج الذين عبروا تحت إشرافه نحو البقاع الطاهرة. إنها رحلة من التفاني تؤكد أن خدمة ضيوف الله أمانة تتوارثها الأجيال.

ومع انطلاق شرارة الموكب، توجهت الأنظار صوب مدينة الناظور، التي تشكل المحطة التالية في هذا المسار الإيماني. ومن المتوقع أن تتحول شوارع الناظور إلى ساحات احتفالية كبرى، حيث يمتزج المواطنون في تلاحم منقطع النظير لمواصلة مراسم الوداع بزخمها الشعبي والديني المعتاد، مؤكدين أن الطريق إلى مكة يبدأ دوماً بقلوب متآلفة وأرواح متعانقة.

يبقى هذا الموعد السنوي هو النبض الحقيقي للجالية المسلمة في المنطقة؛ فهو ليس مجرد إجراءات سفر، بل هو ‘عيد ديني’ واجتماعي يرسخ قيم التكافل وصلة الرحم. إنها لحظة تعبئة روحية تتجدد فيها الهوية، ليعلن الحجاج من قلب مليلية أن نداء ‘لبيك اللهم لبيك’ هو الصوت الذي يوحد القلوب والدروب، مهما طالت المسافات أو نأت الديار.