24 ساعة

حصيلة أخنوش.. هندسة ‘الدولة الاجتماعية’ في قلب التحديات

لم يكن عرض الحصيلة الحكومية للفترة ما بين 2021 و2026، الذي قدمه عزيز أخنوش أمام غرفتي البرلمان الأربعاء الماضي، مجرد أرقام تقنية أو استعراض عضلات لغة الأرقام. بل كان بمثابة قراءة في مسار تحول هيكلي عاشه المغرب في ظروف إقليمية ودولية لم تكن سهلة أبداً، حيث نجحت الحكومة في الانتقال من منطق ‘إطفاء الحرائق’ وتدبير الأزمات المتتالية إلى هندسة نموذج تنموي يجمع بين مرونة الاقتصاد وعدالة التوزيع الاجتماعي.

على الصعيد الاقتصادي، أحدثت الحكومة رجة إيجابية عبر ‘ميثاق الاستثمار’ الجديد، الذي يطمح لرفع حصة الاستثمار الخاص إلى الثلثين بحلول 2035. ولغة الأرقام هنا لا تكذب؛ فقد بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة أرقاماً غير مسبوقة، ناهزت 56 مليار درهم في 2025. والأهم أن هذا لم يأتِ صدفة، بل بفضل تنويع محركات النمو، حيث قفزت الصادرات الصناعية بـ 44.5 في المائة، متصدرة قطاعات واعدة كالسيارات والطيران والهيدروجين الأخضر، بينما صمد قطاع الفلاحة بفضل استراتيجية ‘الجيل الأخضر’ رغم توالي سنوات الجفاف، مما ساهم في خفض عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة.

أما في الشق الاجتماعي، فقد تحولت شعارات ‘الدولة الاجتماعية’ إلى واقع ملموس، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على الوعود. تعميم التغطية الصحية لأكثر من 15.5 مليون مواطن إضافي، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر لـ 4 ملايين أسرة، يمثل ثورة هادئة في نظام التضامن الوطني. ولم تتردد الحكومة في خوض معارك الإصلاح الجريئة، من إنهاء ملف ‘التعاقد’ في التعليم ورفع أجور الأسرة التعليمية، إلى دعم السكن الذي استفادت منه 96 ألف أسرة، مما عزز أركان الاستقرار المجتمعي.

وفي هندسة البنية التحتية، كان الرهان على الأمن المائي حاضراً وبقوة عبر تحلية مياه البحر والربط بين الأحواض المائية لمواجهة الإجهاد المائي. كل هذا توازى مع إصلاحات قضائية جريئة، مثل تبني ‘العقوبات البديلة’، لترسيخ مفهوم الأمن القضائي.

إن خروج المغرب من ‘اللائحة الرمادية’ واستعادة تصنيفه الائتماني، ليس مجرد شهادة دولية، بل هو اعتراف بأن الإجراءات الحكومية لم تكن ترقيعية، بل عقداً اجتماعياً جديداً يحول التحديات إلى فرص، واضعاً المواطن في قلب كل قرار، ومعيداً التوازن بين المركز والمجالات الترابية.