24 ساعة

جمهورية المهرجانات.. أين تبخر ترليون دولار من خزينة الجزائر؟

بين عامي 2000 و2014، عاشت الجزائر مرحلة استثنائية لم تعد فيها مجرد بلد يصارع من أجل البقاء، بل تحولت إلى دولة ‘تغرق في السيولة’. بفضل الارتفاع الجنوني لأسعار النفط، تدفقت إلى خزينة الدولة أرقام فلكية تجاوزت الترليون دولار في أقل من عقدين. لكن، بدلاً من أن تكون هذه الأموال جسراً نحو تنمية مستدامة، تحولت إلى ما يشبه ‘أكبر تبذير احتفالي’ في التاريخ الحديث.

تشير دراسة أكاديمية حديثة بعنوان ‘تطور الاقتصاد الجزائري من الاستعمار إلى الطفرة النفطية’ إلى أن هذه الأموال لم تواكبها أي خطط حقيقية لتنويع الاقتصاد. فبينما كان النفط والغاز يشكلان أكثر من 95% من الصادرات، بقي القطاع الزراعي يعاني من ضعف الإنتاج رغم وفرة المياه والأراضي، وظل القطاع الصناعي عاجزاً عن خلق قيمة مضافة، مما جعل الاعتماد على الاستيراد ضرورة حتمية وليس خياراً اقتصادياً.

لم تذهب الأموال إلى المصانع أو البنية التحتية، بل ابتلعتها ‘سياسة المهرجانات’. لقد تحولت الاحتفالات إلى أداة رسمية لتصريف الفائض المالي؛ حيث قفز عدد المهرجانات من أقل من 20 في بداية الألفية إلى 186 مهرجاناً سنوياً، تمولها خزينة الدولة بالكامل، بما في ذلك فعاليات سياسية ودعائية موجهة لخدمة أطروحات النظام، مثل قضايا ‘البوليساريو’.

وعندما انهارت أسعار النفط في 2014، اصطدم الواقع بالأحلام الوردية. وجدت الدولة نفسها أمام خيار التقشف القسري، فاضطرت لإلغاء أو دمج أكثر من 100 مهرجان. يصف الخبير الاقتصادي جورج جوفي هذا الوضع بـ ‘لعنة النفط’، حيث عجزت الحكومة عن كبح جماح الاستيراد، خاصة في المواد الأساسية كالحبوب، بسبب ضعف القدرة التصنيعية المحلية التي تراجعت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات مخجلة.

تلك الحقبة لم تترك وراءها سوى أسئلة حارقة، لخصها الجزائريون في الشارع خلال حراك 2019 بسؤالهم الشهير: ‘أين ذهب الترليون دولار؟’. ورغم تبريرات المسؤولين بأن الأموال عادت للشعب عبر برامج اجتماعية، إلا أن الواقع كان يشي بشيء آخر؛ مهرجانات صاخبة لم تغنِ ولم تسمن من جوع، وأزمة هيكلية أطاحت بآمال التنمية وفتحت الباب واسعاً أمام سنوات من الانسداد السياسي والاقتصادي.