يخطو مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط خطوة أخرى نحو الواقع الملموس، مؤكداً دخوله المرحلة الحاسمة من عمر الإنجاز. فقد نجح تحالف يجمع بين العملاق الوطني ‘مارسا ماروك’ والشركة الإسبانية ‘بولودا تويدج فرانس’ في انتزاع صفقة استراتيجية لتقديم خدمات القطر والمساعدة البحرية، في واحدة من أبرز الصفقات التي يترقبها المتتبعون بشغف، خاصة وأن هذا الميناء يعد بورقة رابحة قادرة على قلب موازين القوى في خارطة النقل البحري بالمنطقة المتوسطية.
وتفيد التقارير الإعلامية الإسبانية أن هذا التحالف استطاع حسم المنافسة الدولية لصالحه، مقتنصاً رخصة تشغيل تمتد لعشرين عاماً كاملة. هذا الاختيار ليس صدفة، بل يعكس ثقة كبيرة في قدرة هذا التكتل على إدارة مرفق حيوي وحساس داخل الميناء. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن العمل الفعلي سينطلق خلال الربع الأخير من سنة 2026، وهو موعد يراه الخبراء ‘نقطة الانطلاق’ نحو تحويل هذا المشروع الضخم إلى قوة لوجستية واقتصادية حقيقية.
الصفقة لا تقتصر على الجانب التقني، بل تتجاوز ذلك لتكون استثماراً ضخماً يصل إلى 45 مليون يورو. هذا المبلغ سيُضخ في تأسيس شركة مشتركة واقتناء أسطول عصري من قاطرات السفن بقدرات سحب تصل إلى 80 طناً للقاطرة الواحدة. هذه المواصفات التقنية ليست مجرد أرقام، بل هي رسالة واضحة بأن الميناء يستعد لاستقبال السفن العملاقة التي تتطلب معايير دقيقة وعالية في المناورة والرسو.
إن خدمات القطر، وإن بدت للبعض تفاصيل تقنية خفية، فهي تعد العصب الحقيقي لأي ميناء عالمي يرغب في احتلال مكانة مرموقة. فسلامة الملاحة داخل الميناء هي البوابة الرئيسية التي تجذب الخطوط الملاحية العالمية، وبدونها لا يمكن لأي مشروع أن يفرض نفسه كلاعب رئيسي. هذا الشراكة تجمع بين الخبرة الوطنية لـ’مارسا ماروك’ في تدبير الموانئ المغربية، والثقل الدولي لـ’بولودا’، مما يخلق مزيجاً من الفعالية المحلية والخبرة التشغيلية العالمية.
اليوم، لم يعد ميناء الناظور غرب المتوسط مجرد خرائط وتصاميم على الورق، بل أصبح ورشة عمل تنبض بالحياة، تتأهب لأن تكون منصة عالمية للحاويات والطاقة والتجارة الدولية. ومع اقتراب موعد التشغيل، تتجه الأنظار نحو هذا الصرح التنموي الذي يعول عليه المغرب بقوة ليس فقط لإنعاش الجهة الشرقية وخلق فرص الشغل، بل لتعزيز موقع المملكة كقطب لوجستي محوري في حوض المتوسط.