24 ساعة

النيابة العامة تراهن على ‘الصلح’ لطي ملفات القضايا الجنحية: توجه جديد لتخفيف الضغط عن المحاكم

في خطوة تروم تغيير قواعد اللعبة داخل ردهات المحاكم، أصدرت رئاسة النيابة العامة دورية هامة موجهة إلى الوكلاء العامين ووكلاء الملك، تحثهم فيها على توسيع نطاق تفعيل آلية ‘الصلح’ كبديل ناجع عن سلوك مسار الدعوى العمومية التقليدي.

هذا التوجه الجديد، الذي يأتي في سياق التعديلات التي حملها القانون رقم 03.23 المتمم لقانون المسطرة الجنائية، يعكس رغبة واضحة في ترسيخ مفهوم ‘العدالة التصالحية’. فالهدف هنا بسيط وعميق في آن واحد: حل النزاعات الجنحية بعيداً عن أروقة المحاكم، وذلك بتمكين النيابة العامة من اقتراح الصلح بشكل تلقائي بين أطراف النزاع، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء.

ولم يعد الصلح مجرد إجراء محدود في قضايا بسيطة، بل أصبح يغطي اليوم جرائم أكثر شيوعاً أمام القضاء، مثل الضرب والجرح، السرقة، النصب، وخيانة الأمانة. ولضمان نجاعة هذا المسار، شجعت الدورية على الاستعانة بالمحامين، والوسطاء، وحتى مكاتب المساعدة الاجتماعية بالمحاكم. كما أصبح بإمكان وكيل الملك اقتراح غرامة صلحية لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة القانونية، أو إلزام المعتدي بجبر الضرر، خاصة في الحالات التي يغيب فيها الطرف المتضرر أو يقدم تنازلاً مكتوباً.

اللافت في هذه الدورية هو التركيز الخاص على الأطفال في وضعية صراع مع القانون، حيث دعت النيابة العامة إلى إعمال الصلح بما يخدم المصلحة الفضلى للطفل، لضمان إدماجه في محيطه الطبيعي وتجنيبه صدمات المسار القضائي.

وتكشف الأرقام أن هذا التوجه بدأ يؤتي ثماره بالفعل؛ إذ قفز عدد المستفيدين من مسطرة الصلح من 8,219 في عام 2023 إلى 21,963 في عام 2025، محققاً ارتفاعاً لافتاً ناهز 38 بالمائة. ورغم هذا الزخم، سجلت النيابة العامة تفاوتات في الأداء بين المحاكم، مطالبة المسؤولين القضائيين ببذل مجهودات أكبر، خاصة بعد إلغاء إجراءات المصادقة المعقدة، واعتماد الاتفاق فور تحرير محضر بشأنه.

إن هذا التحول في السياسة الجنائية ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو رؤية استراتيجية تهدف إلى حماية حقوق الضحايا وتخفيف العبء عن المحاكم، وهو ما يضع المسؤولين القضائيين أمام تحدي الالتزام بالآجال وتعميم هذه الممارسات لضمان عدالة قريبة من المواطن وأكثر مرونة.